وَزَادَ فِي كِتَابِهِ (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) [1] وَجْهًا آخَرَ قَائِلًا: «وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ"مِنْ"زَائِدَةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإِذَا بَقِيَ قِرَاءَتُهُ نَحْوًا. فَـ"قِرَاءَتُهُ"فَاعِلُ"بَقِيَ"، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، نَاصِبٌ"نَحْوًا"بِمُقْتَضَى الْمَفْعُولِيَّةِ.
وَزِيَادَةُ"مِنْ"عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لاَ يَرَاهَا سِيبَوَيْهِ؛ لأَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي زِيَادَتِهَا شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَقَدَّمُ نَهْيٍ، أَوْ نَفْيٍ، أَوِ اسْتِفْهَامٍ.
وَالثَّانِي: كَوْنُ الْمَجْرُورِ بِهَا نَكِرَةً
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُجْعَلَ"مِنْ قِرَاءَتِهِ"صِفَةً لِفَاعِلِ"بَقِيَ"قَامَتْ مَقَامَهُ لَفْظًا، وَنُوِيَ ثُبُوتُهُ، وَيُجْعَلُ"نَحْوًا"مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِذَا بَقِيَ بَاقٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوًا مِنْ كَذَا».
وَيُلْحَظُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُشْكِلَةَ"نَحْوًا"غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) الْمَطْبُوعَيْنِ، بَلِ الْمَوْجُودَةُ"نَحْوٌ"بِالرَّفْعِ، وَلاَ إِشْكَالَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «قُلْتُ: مَنْ رَوَى: (نَحْوٌ مِنْ كَذَا) بِالرَّفْعِ، فَلاَ إِشْكَالَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الإِشْكَالُ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى (نَحْوًا) بِالنَّصْبِ» [2] .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ حَمْلَ كَلاَمِ الْفُصَحَاءِ عَلَى الأَشْهَرِ الَّذِي لاَ يَحْتَمِلُ أَوْلَى، وَلَكِنَّ أَمَانَةَ النَّقْلِ تُوجِبَ تَرْكَ الْمَنْقُولِ كَمَا وَرَدَ.
ثَالِثًا: أَنَّ زِيَادَةَ"مِنْ"فِي الإِيجَابِ اسْتِعْمَالٌ فَصِيحٌ؛ لِثُبُوتِهِ فِي السَّمَاعِ نَظْمًا وَنَثْرًا، كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ [3] ، وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَتُهَا فِي النَّفْيِ وَشِبْهِهِ أَشْهَرَ وَأَفْصَحَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْقِيَاسُ: أَنَّهُ لاَ يُحْذَفُ حَرْفُ النِّدَاءِ مِنَ اسْمٍ نَكِرَةٍ، أَوْ مُبْهَمٍ. [4]
الْمُخَالَفَةُ: جَاءَ حَذْفُ حَرْفِ النِّدَاءِ الْوَاقِعِ قَبْلَ اسْمِ الْجِنْسِ، مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ (-حِكَايَةً عَنْ مُوسَى (-: «ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ» [5] .
(1) ص: 125 - 127.
(2) شواهد التوضيح، ص: 125.
(3) ينظر: شرح التسهيل 3/ 138.
(4) ينظر: الكتاب 2/ 230، والمقتضب 4/ 258، وكتاب أسرار العربية/ لابن الأنباري، ص:228، والفوائد والقواعد، ص:444، وشرح المفصل 1/ 362، وشرح الكافية 1/ 386، 387، وكتاب اللمحة في شرح الملحة/ لمحمد بن الحسن الصايغ 2/ 627.
(5) البخاري، كتاب الأنبياء، باب (28) ، ح (3404) 4/ 156، ورواه في كتاب الغسل، باب (20) ،ح (278) 1/ 64، بلفظ: «ثَوْبِي يَا حَجَرُ» بإثبات"يا"، ومسلم، كتاب الفضائل، باب (42) ، ح 155 - (339) 4/ 1841.