التَّرَخُّصِ وَالاِبْتِدَاعِ، وَلاَ مَا وَقَعَ فِيهِ النُّحَاةُ أَنْفُسُهُمْ، مِنِ الْتِمَاسِ الاِطِّرَادِ فِي لَهَجَاتِ الْعَدِيدِ مِنَ الْقَبَائِلِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ لَهْجَةِ قَبِيلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْقَبَائِلِ تَسْتَقِلُّ بِطُرُقِهَا الْخَاصَّةِ، فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَخْرَجَ نَحْوٌ وَاحِدٌ مِنْ صُوَرٍ اسْتِعْمَالِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ مِنْ طَبِيعَةِ اللُّغَةِ، أَيِّ لُغَةٍ أَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا إِلَى قَوَاعِدَ كُبْرَى، لاَ تَقْبَلُ الاِسْتِثْنَاءَ، وَمِنْ هُنَا كَانَ مِنْ صُلْبِ عَمَلِ النُّحَاةِ أَنْ يُقَيِّدُوا كُبْرَيَاتِ الْقَوَاعِدِ: بِاسْتِثْنَاءٍ هُنَا، وَاسْتِدْرَاكٍ هُنَاكَ، وَشَرْطٍ فِي مَوْقِعٍ ثَالِثٍ، وَأَنْ يَصُوغُوا قَاعِدَةً؛ لِكَسْرِ قَاعِدَةٍ أُخْرَى، أَوْ يُقَعِّدُوا؛ لِعُدُولٍ عَنِ الأَصْلِ، يَتَقَبَّلُوا أُسْلُوبًا فَصِيحًا عُدِلَ بِهِ عَنِ الأَصْلِ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُوهُ بِالتَّبْرِيرِ وَالتَّأْوِيلِ، ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَضَعُوا كُلَّ ذَلِكَ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ فِي إِطَارِ نَحْوٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَغُضُّوا الطَّرْفَ عَنِ التَّضَارُبِ بَيْنَ قَاعِدَةٍ وَقَاعِدَةٍ، وَيُبَرِّرُوا تَجَاوُرَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمُتَضَارِبَتَيْنِ بِأَنَّ إِحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ فَرْعِيَّةٌ، أَوْ أَنَّ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ، وَالأُخْرَى قَيْدٌ عَلَى هَذَا الإِطْلاَقِ.
وَأَخِيرًا، كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْتَضُوا بَعْضَ الْخُرُوجِ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ؛ لأَغْرَاضٍ أُسْلُوبِيَّةٍ، وَأَنْ يَرْفُضُوا بَعْضًا آخَرَ؛ لِكَوْنِهِ شَاذًّا أَوْ قَلِيلًا أَوْ نَادِرًا وَلُغَةَ حَيٍّ بِعَيْنِهِمْ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَأَنْ يَحْكُمُوا عَلَى مَا خَالَفَ قَوَاعِدَهُمْ، عَدَا كُلِّ مَا سَبَقَ، بِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ الْخَطَأِ، لاَ تُقْبَلُ فِيهِ شَفَاعَةُ التَّأْوِيلِ، وَلاَ تُبَرِّرُهُ الشَّوَاهِدُ الْقَلِيلَةُ ... » [1] .
يُؤْخَذُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ مَنْهَجَ الْبَصْرِيِّينَ فِي دِرَاسَةِ اللُّغَةِ كَانَ تَرْبَوِيًّا، غَايَتُهُمْ مِنْهُ وَضْعُ نَحْوٍ قِيَاسِيٍّ، مُقَنَّنٍ، وَأَمَّا مَنْهَجٌ الْكُوفِيِّينَ فَكَانَ تَحْلِيلِيًّا.
فَالْبَصْرِيُّونَ اعْتَمَدُوا عَلَى مُقَارَبَةٍ آنِيَّةٍ"سِنْكُرُونِيَّةٍ"لِلُّغَةِ، بَيْنَمَا كَانَ الْكُوفِيُّونَ مُهْتَمِّينَ بِالْمَظْهَرِ التَّطَوُّرِيِّ"الدِّيكُورُنِيِّ"لِلُّغَةِ. [2]
وَقَدْ جَمْعَ اللُّغَوِيُّونَ الْمُحْدَثُونَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَنْهَجَيْنِ فِي دِرَاسَتِهِمْ لِلُّغَةِ؛ لِذَا كَانَ مَنْهَجُهُمْ تَارِيخِيًّا وَصْفِيًّا.
(1) درجات الصواب والخطأ في النحو والأسلوب/ للدكتور تمام حسان، مجلة المجمع اللغوي القاهري، شعبان 1405 هـ= مايو 1985 م، المجلد 56، ص:56، وينظر في ذلك: اللغة والنحو/ لعباس حسن، ص:63،64.
(2) ينظر: أعمال مجمع اللغة/ للحمزاوي، ص:190.