هَذَا، وَإِنَّ الْحَدِيثَ الأَوَّلَ: «نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللَّقْحَةُ الصَّفِيُّ مَنِيحَةً» يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ مِنَ الْقِيَاسِ، هُوَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ"نِعْمَ"فِي الْحَدِيثِ مُضْمَرًا، وَ"الْمَنِيحَةُ"الْمَوْصُوفَةُ بِمَا ذُكِرَ هِيَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ، وَ"مَنِيحَةً"تَمْيِيزٌ تَأَخَّرَ عَنِ الْمَخْصُوصِ؛ وَبِهَذَا لاَ يَكُونُ فِيهِ شَاهِدٌ لِلْمُخَالَفَةِ. [1]
يُؤْخَذُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ فَاعِلِ"نِعْمَ وَبِئْسَ"الظَّاهِرِ وَتَمْيِيزِهِ، فِيهِ خِلاَفٌ:
-مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ وَابْنُ السَّرَّاجِ وَالسِّيرَافِيُّ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكْفِي عَنِ الآخَرِ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا بَيَانُ الْجِنْسِ؛ فَلاَ دَاعِيَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
-وَأَجَازَ ذَلِكَ الْمُبَرِّدُ وَأَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ؛ وَاحْتَجَّا بِأَنَّ ذِكْرَ الْفَاعِلِ الظَّاهِرِ وَالتَّمْيِيزِ مُبَالَغَةٌ فِي الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ.
وَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْئَيْنِ:
أ-أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ فَاعِلِ"نِعْمَ وَبِئْسَ"الظَّاهِرِ وَتَمْيِيزِهِ، لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ فَقَطْ، بَلْ تَابَعَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ السَّرَّاجِ وَالسِّيرَافِيُّ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ فِي (الْكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ) [2] :
وَمَعْ ظُهُورِ الْفَاعِلِ التَّمْيِيزَ دَعْ *** فِي رَأْيِ عَمْرٍو وَهْوَ فِي ذَا لَمْ يُطعْ
فَقَوْلُهُ:"لَمْ يُطَعْ"يَنْفِي وُجُودَ مُتَابِعٍ لِسِيبَوَيْهِ فِي مَذْهَبِهِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي قَبْلَ زَمَنِ النَّاظِمِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَحْصُلْ؛ إِذْ تَابَعَهُ ابْنُ السَّرَّاجِ وَالسِّيرَافِيُّ؛ لِذَا فَلَوْ قَالَ:"لاَ يُطَعْ"عَلَى النَّصِيحَةِ لِمَنْ بَعْدَهُ لَكَانَ أَقْوَمَ مَعْنًى، وَأَعْدَلَ حُكْمًا، وَلاَ يُخِلُّ فِي الْوَزْنِ شَيْئًا.
ب-أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ يُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَابَعَهُ؛ لأَنَّ فِيهِمَا جَمْعًا بَيْنَ فَاعِلِ"نِعْمَ"وَهُوَ"الْمَنِيحَةُ"فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ، وَ"الرَّجُلُ"فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، وَبَيْنَ تَمْيِيزِهِ، وَهُوَ"مَنِيحَةً"فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ، وَ"مِنْ رَجُلٍ"فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي.
وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُبَرِّدِ وَالْفَارِسِيِّ فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَشُرَّاحُ (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) .
وَالرَّاجِحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ فَاعِلِ"نِعْمَ وَبِئْسَ"الظَّاهِرِ وَتَمْيِيزِهِ؛ لِمَا يَلِي:
-لِوُجُودِ شَوَاهِدَ أُخْرَى غَيْرِ الْحَدِيثِ السَّابقِ، وَهِيَ لاَ ضَرُورَةَ فِيهَا، وَلاَ تَحْتَمِلُ أَوْجُهًا أُخْرَى مِنَ الإِعْرَابِ.
(1) ينظر: إرشاد الساري 6/ 63، 64.