وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ وُقُوعَهُ بَعْدَ الْفَاعِلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَمَنْ مَنَعَ وُقُوعَهُ بَعْدَ الْفَاعِلِ الظَّاهِرِ يَقُولُ: إِنَّ التَّمْيِيزَ فَائِدَةُ الْمَجِيءِ بِهِ رَفْعُ الإِبْهَامِ، وَلاَ إِبْهَامَ إِلاَّ بَعْدَ الإِضْمَارِ، فَتَعَيَّنَ تَرْكُهُ مَعَ الإِظْهَارِ.
وَهَذَا الْكَلاَمُ تَلْفِيقٌ عَارٍ مِنَ التَّحْقِيقِ؛ فَإِنَّ التَّمْيِيزَ بَعْدَ الْفَاعِلِ الظَّاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ إِبْهَامًا، فَإِنَّ التَّوْكِيدَ بِهِ حَاصِلٌ، فَيَسُوغُ اسْتِعْمَالًا، كَمَا سَاغَ اسْتِعْمَالُ الْحَالِ مُؤَكِّدَةً، نَحْوُ: { (( (( (( (( (( (( (( (} [1] ، وَ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [2] ، مَعَ أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا [3] أَنْ يُبَيَّنَ بِهَا كَيْفِيَّةً مَجْهُولَةً، فَكَذَا التَّمْيِيزُ أَصْلُهُ أَنْ يُرْفَعَ بِهِ إِبْهَامٌ، نَحْوُ:"لَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا"، ثُمَّ يُجَاءُ بِهِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الإِبْهَامِ؛ قَصْدًا لِلتَّوْكِيدِ، نَحْوُ:"عِنْدَهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا"، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [4] ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ *** مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا [5]
فَلَوْ لَمْ يُنْقَلِ التَّوْكِيدُ بِالتَّمْيِيزِ بَعْدَ إِظْهَارِ فَاعِلِ"نِعْمَ وَبِئْسَ"لَسَاغَ اسْتِعْمَالُهُ قِيَاسًا، عَلَى التَّوْكِيدِ بِهِ مَعَ غَيْرِهِمَا. فَكَيْفَ، وَقَدْ صَحَّ نَقْلُهُ، وَقَرَّرَ فَرْعُهُ وَأَصْلُهُ؟
وَمِنْ شَوَاهِدِ الْمُوَافَقَةِ لِلْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللُّهُ تَعَالَى-:
تَزَوَّدْ مِثْلَ زَادِ أَبِيكَ فِينَا *** فَنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيكَ زَاداَ
فَمَا كَعْبُ بْنُ مَامَةَ وَابْنُ سُعْدَى *** بِأَجْوَدَ مِنْكَ يَا عُمَرُ الْجَوَادَا [6]
وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ -أَيْضًا-، قَوْلُ جَرِيرٍ يَهْجُو الأَخْطَلَ:
وَالتَّغْلَبِيُّونَ بِئْسَ الْفَحْلُ فَحْلُهُمُ *** فَحْلًا وَأُمُّهُمُ زَلاَّءُ مِنْطِيقُ [7]
مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ -أَيْضًا- قَوْلُ الآخَرِ:
نِعْمَ الْفَتَاةُ فَتَاةً هِنْدُ لَوْ بَذَلَتْ *** رَدَّ التَّحِيَّةِ نُطْقًا أَوْ بِإِيمَاءِ [8] ».
(1) سورة النمل من الآية: 10.
(2) سورة مريم، من الآية:33.
(3) أي: في الحال.
(4) سورة التوبة، من الآية: 36.
(5) سبق تخريجه، ص:451 من البحث.
(6) سبق تخريجه، ص:450 من البحث.
(7) سبق تخريجه، ص:451 من البحث.
(8) البيت من البسيط، وقائله مجهول، وهو في: المغني 2/ 132، وهمع الهوامع 5/ 35، والأشموني 2/ 203، والدرر اللوامع 2/ 112.