السَّرَّاجِ [1] ، وَمَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يُتَقَدَّرُ بِقَدَرِ الضَّرُورَةِ، وَلاَ يُجْعَلُ قِيَاسًا، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الأَسْوَدِ بْنِ شَعُوبٍ:
ذَرَانِي أَصْطَبِحْ يَا بَكْرُ إِنِّي *** رَأَيْتُ الْمَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ
تَخَيَّرَهُ وَلَمْ يَعْدِلْ سِوَاهُ *** وَنِعْمَ الْمَرْءُ مِنْ رَجُلٍ تَهَامِ [2]
فَقَوْلُهُ:"مِنْ رَجُلٍ تَهَامٍ"كَقَوْلِهِ:"رَجُلًا"؛ لأَنَّ"مِنْ"تَدْخُلُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، فَاعْرِفْهُ» [3] .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ يُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَابَعَهُ؛ لأَنَّ فِيهِمَا جَمْعًا بَيْنَ فَاعِلِ"نِعْمَ"وَهُوَ"الْمَنِيحَةُ"فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ، وَ"الرَّجُلُ"فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، وَبَيْنَ تَمْيِيزِهِ، وَهُوَ"مَنِيحَةً"فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ، وَ"مِنْ رَجُلٍ"فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي. [4]
وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُبَرِّدِ وَالْفَارِسِيِّ فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَشُرَّاحُ (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) [5] .
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) [6] -عِنْدَ تَوْجِيهِ الْحَدِيثَيْنِ-: «قُلْتُ: تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الأَوَّلُ [7] وَالثَّانِي وُقُوعَ التَّمْيِيزِ بَعْدَ فَاعِلِ"نِعْمَ وَبِئْسَ"ظَاهِرًا، وَهُوَ مِمَّا مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجِيزُ أَنْ يَقَعَ التَّمْيِيزُ بَعْدَ فَاعِلِ"نِعْمَ وَبِئْسَ"، إِلاَّ إِذَا أُضْمِرَ الْفَاعِلُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [8] ، كَقَوْلِ بَعْضِ الطَّائِيِّينَ:
لَنِعْمَ امْرَءًا أَوْسٌ إِذَا أَزْمَةٌ عَرَتْ *** وَيَمَّمَ لِلْمَعْرُوفِ ذُو كَانَ عَرَّدَا [9]
(1) ينظر: الأصول في النحو 1/ 117.
(2) البيتان من الوافر، لأبي بكر بن الأسود المعروف بابن شعوب الليثي، وهو في: شرح المفصل 4/ 397، والبيت الثاني بلا نسبة في: شرح ابن الناظم، ص:350.
(3) شرح المفصل 4/ 396 - 398.
(4) ينظر: الكواكب الدراري 11/ 149، وعمدة القاري 13/ 185، وإرشاد الساري 6/ 63، 64.
(5) ينظر: شواهد التوضيح ص:107 - 110، وعقود الزبرجد 2/ 289، وإرشاد الساري 6/ 63، 64، والحديث النبوي في النحو العربي/ للدكتور محمود فجال، ص:251، والحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:99، 100.
(6) ص:107 - 110.
(7) ينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 4/ 121.
(8) سورة الكهف، من الآية:50.
(9) البيت من الطويل، قال المحقق عنه: «لم أقف عليه في كتب النحو» ، وكذلك البحث.