ظَاهِرَةُ التَّعْرِيبِ: أَسْهَمَ الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ فِي إِثْرَاءِ اللُّغَةِ عَنْ طَرِيقِ التَّعْرِيبِ، مِنْ ذَلِكَ: لَفْظَةُ «قَهْرَمَانٍ» [1] فِي (صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ) [2] ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (قَهْرَمَانٌ) -بِفَتْحِ الْقَافِ، وَإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ-، وَهُوَ الْخَازِنُ الْقَائِمُ بِحَوَائِجِ الإِنْسَانِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَكِيلِ، وَهُوَ بِلِسَانِ الْفُرْسِ» [3] ، وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ"الْمَاذِيَانَاتِ" [4] ، قَالَ عَنْهَا النَّوَوِيُّ: « ... هِيَ مَسَايِلُ الْمِيَاهِ، وَقِيلَ: مَا يَنْبُتُ عَلَى حَافَتَيْ مَسِيلِ الْمَاءِ، وَقِيلَ: مَا يَنْبُتُ حَوْلَ السَّوَاقِي، وَهِيَ لَفْظَةٌ مُعَرَّبَةٌ، لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً» [5] .
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي إِثْرَاءِ اللُّغَةِ تَرْكِيبًا [6] :
جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ تَرَاكِيبُ مُبْتَكَرَةٌ، كَانَ الرَّسُولُ (أَوَّلَ مَنْ تَفَوَّهَ بِهَا، وَلَمْ تُسْمَعْ مِنْ أَحْدٍ قَبْلَهُ؛ وَذَلِكَ لِمَا أُتِيَ بِهِ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَمَا أُلْهِمَ إِلَيْهِ مِنْ أَسْرَارِ اللُّغَةِ. [7]
وَقَدْ قَسَّمَ صَاحِبُ (الْمَثَلِ السَّائِرِ) تِلْكَ التَّرَاكِيبَ الْمُعْجِزَةَ قِسْمَيْنِ:
الأَوَّلُ: تَرَاكِيبُ «تَتَضَمَّنُ مِنَ الْمَعْنَى مَا لاَ تَتَضَمَّنُهُ أَخَوَاتُهَا، مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَكَانِهَا» [8] .
الثَّانِي: تَرَاكِيبُ يُرَادَ بَهَا «الإِيجَازُ الَّذِي يُدَلُّ بِهِ بِالأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ، أَيْ: إِنَّ أَلْفَاظَهُ-صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ- جَامِعَةٌ لِلْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ، عَلَى إِيجَازِهَا وَاخْتِصَارِهَا، وَجُلُّ كَلاَمِهِ جَارٍ هَذَا الْمَجْرَى» [9] .
(1) معرَّبة، وأصلها"قِرْمَان". ينظر: المعرّب/ للجواليقي، ص:97.
(2) مسلم، كتاب الزكاة، باب (12) ، ح 40 - (996) 2/ 692.
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 7/ 84.
(4) مسلم، كتاب البيوع، باب (17) ، ح 96 - (1536) 3/ 1177.
والماذيانات والماذيان معرّبتان. ينظر: المعرّب/ للجواليقي، ص:601.
(5) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 10/ 442.
(6) الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:163 وما بعدها.
(7) ينظر: تاريخ آداب العرب/ لمصطفى صادق الرافعي 2/ 316، وتنظر في فصاحته مقدمة النهاية في غريب الحديث والأثر/ لابن الأثير.
(8) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر 1/ 49.
(9) المثل السائر 1/ 52.