الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى أَفْصَحِ الْخَلْقِ لِسَانًا، وَأَبْلَغِ الرُّسُلِ بُرْهَانًا وَتِبْيَانًا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ وَالاَهُمْ إِحْسَانًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ كَانَ وَاضِعُو عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ يَنْظُرُونَ إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ نَظْرَةً دِينِيَّةً؛ لِكَوْنِهَا لُغَةَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، اللَّذَيْنِ يُعَدَّانِ مَنْبَعَيِ التَّشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ.
وَقَدْ دَفَعَتْهُمْ تِلْكَ الْعَاطِفَةُ الدِّينِيَّةُ وَالْقُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ إِلَى الْوُقُوفِ فِي وَجْهِ كُلِّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعَكِّرَ ذَلِكَ الْمَنْهَلَ الصَّافِي؛ فَوَضَعُوا قَوَاعِدَ لُغَوِيَّةً، تَعْصِمُ الْعَرَبَ مِنَ اللَّحْنِ، وَتُعِينُ الْعَجَمَ عَلَى مُحَاكَاةِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ، وَتُكْسِبُ هَؤُلاَءِ وَأُولَئِكَ فَهْمًا صَحِيحًا لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، قَالَ الزَّجَّاجِيُّ: «فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَعَلُّمِ النَّحْوِ؟ ... فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: الْفَائِدَةُ فِيهِ الْوُصُولُ إِلَى التَّكَلُّمِ بِكَلاَمِ الْعَرَبِ عَلَى الْحَقِيقَةِ صَوَابًا، غَيْرَ مُبَدَّلٍ وَلاَ مُغَيَّرٍ، وَتَقْوِيمُ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، الَّذِي هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْمُعْتَمَدُ، وَمَعْرِفَةُ أَخْبَارِ النَّبِيِّ (، وَإِقَامَةُ مَعَانِيهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لأَنَّهُ لاَ تُفْهَمُ مَعَانِيهَا عَلَى صِحَّةٍ إِلاَّ بِتَوْفِيَتِهَا حُقُوقَهَا مِنَ الإِعْرَابِ» [1] .
مِنْ هُنَا تَبَوَّأَتْ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ مَكَانَةً سَامِيَةً فِي الدَّرْسِ اللُّغَوِيِّ، وَأَصْبَحَتْ مِعْيَارًا لِلصَّوَابِ وَالْخَطَأِ، وَالْقَبُولِ وَالرَّدِّ، بَلْ عُدَّتْ كُلُّ مُخَالَفَةٍ لَهَا -أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهَا- تَحَدِّيًّا لِذَلِكَ الْغَرَضِ النَّبِيلِ.
وَلَكِنْ بِمُرُورِ الزَّمَنِ تَبَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ لَمْ تَكُنْ مَعْصُومَةً مُطَّرِدَةً فِي كُلِّ حِينٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَتَجَافَى حِينًا آخَرَ، فَتَخْرُجُ عَنْهَا بَعْضُ الصِّيَغِ وَالتَّرَاكِيبِ؛ وَالسَّبَبُ أَنَّ الَّذِينَ وَضَعُوا تِلْكَ الْقَوَاعِدَ لَمْ يُحِيطُوا إِحَاطَةً كَامِلَةً بِجَمِيعِ كَلاَمِ الْعَرَبِ.
وَلإِِيجَادِ حَلٍّ مُنَاسِبٍ؛ لِجَبْرِ مَا انْكَسَرَ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ، وَرَدِّ مَا شَذَّ عَنْهَا نَشَبَ خِلاَفٌ شَدَيدٌ بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ مِنْ حَيْثُ الْمَنْهَجُ لاَ الْمَقْصَدُ.
فَالْبَصْرِيُّونَ فَتَحُوا بَابَ التَّأْوِيلِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالتَّعْلِيلِ، وَجَمْعِ الأَشْبَاهِ بِالنَّظَائِرِ، وَمَا لَمْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا حَفِظُوهُ، وَحَكَمُوا عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ؛ وَذَلِكَ وِفَاقًا لِمَنْهَجِهِمْ فِي وَضْعِ الْقَوَاعِدِ، وَهُوَ الاعْتِمَادُ عَلَى الْكَثْرَةِ مِنْ قَبَائِلَ بَدَوِيَّةٍ لَمْ تَحْتَكَّ بِعُنْصُرٍ أَجْنَبِيٍّ.
(1) الإيضاح في علل النحو، ص:95.