فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 1015

لأَنَّهُمَا يُخَلِّصَانِ مَدْخُولَهُمَا لِلاِسْتِقْبَالِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْمُضِيَّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ (:"فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الدَّجَّالَ"، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

*دَامَنَّ سَعْدُكِ إِنْ رَحِمْتِ مُتَيَّمَا* [1]

فَهَذَانِ الْفِعْلاَنِ مُسْتَقْبَلاَنِ مَعْنًى» [2] .

وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ الرُّوَاةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ (:(فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ (أَدْرَكَنَّ) ، وَفِي بَعْضِهَا (أَدْرَكَهُ) ، وَهَذَا الثَّانِي ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الأَوَّلُ فَغَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ؛ لأَنَّ هَذِهِ النُّونَ لاَ تَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي، قَالَ الْقَاضِي: وَلَعَلَّهُ (يُدْرِكَنَّ) يَعْنِي: فَغَيَّرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ» [3] .

يُسْتَخْلَصُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ لِدُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ فِي الْفِعْلِ ثَلاَثَ حَالاَتٍ، هِيَ:

4 -جَوَازُ دُخُولِهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ فِي فِعْلِ الأَمْرِ.

5 -وُجُوبُ دُخُولِهَا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْفِعْلِ لِلاِسْتِقْبَالِ، كَالْمُضَارِعِ الْوَاقِعِ جَوَابًا لِلْقَسَمِ.

6 -مَنْعُ دُخُولِهَا، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ إِنْ دَخَلَتْ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْفِعْلِ مَاضِيًا، أَوْ حَالًا.

ثَانِيًا: أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «أَدْرَكَنَّ» مِمَّا دَخَلَتْ فِيهِ نُونُ التَّوْكِيدِ عَلَى الْمَاضِي، وَهَذَا شَاذٌّ فِي نَظَرِ التَّصْرِيفِيِّينَ؛ لأَنَّ النُّونَ تَكُونُ لِلاِسْتِقْبَالِ، وَهَذَا يُنَافِي مَعْنَى الْمَاضِي.

وَقَدْ وَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مَعْنَى الْمَاضِي فِي الْحَدِيثِ الاِسْتِقْبَالُ؛ لِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نُونُ التَّوْكِيدِ.

وَهَذَا التَّوْجِيهُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- صَحِيحٌ؛ لأَنَّ الْكَلاَمَ عَنْ إِدْرَاكِ الدَّجَّالِ، وَلَمَّا يَأْتِ زَمَانُهُ؛ وَلأَنَّ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ فِي الْعَرَبِيَّةِ قَدْ يَأْتِي لِمَعَانٍ أُخَرَ، مِنْهَا: الاِسْتِقْبَالُ؛

(1) البيت من الكامل-وقد سبق تخريجه، ص: 752 من البحث- وعجزه:

*لَوْلاَكِ لَمْ يَكُ لِلصَّبَابَةِ جَانِحَا*

(2) التصريح على التوضيح 2/ 300.

(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 18/ 266. وينظر: الديباج 6/ 249.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت