وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ *** -لَعَمْرُ أَبِيكَ- إِلاَّ الْفَرْقَدَانِ [1]
أَيْ: غَيْرُ الْفَرْقَدَيْنِ، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَالْوَجْهُ الأَوَّلُ الْكَثِيرُ الْفَصِيحُ» [2] .
وَقِيلَ: إِنَّ الاِسْتِثْنَاءَ جَاءَ بَعْدَ نَفْيٍ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ:"مُعَافًى"فِي مَعْنَى النَّفْيِ، وَالتَّقْدِيرُ: كُلُّ أُمَّتِي لاَ ذَنْبَ عَلَيْهِمْ إِلاَّ الْمُجَاهِرُونَ؛ لِذَا يَجُوزُ فِي"الْمُجَاهِرِينَ"وَجْهَانِ: النَّصْبُ عَلَى الاِسْتِثْنَاءِ، وَالرَّفْعُ عَلَى الإِبْدَالِ، وَقَدْ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ [3] .
يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ الْمُسْتَثْنَى إِذَا جَاءَ مَرْفُوعًا بَعْدَ كَلاَمٍٍ تَامٍّ مُوجَبٍ، فِيهِ ثَلاَثَةُ مَذَاهِبَ:
-مَذْهَبُ جُمْهُورِ النُّحَاةِ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ وَاجِبُ النَّصْبِ، إِلاَّ إِذَا أَمْكَنَ تَأْوِيلُ الْكَلاَمِ بِالنَّفْيِ، فَيَجُوزُ عَلَى الْبَدَلِ.
-مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عَلَى أَنَّ"إِلاَّ"بِمَعْنَى حَرفِ عَطْفٍ.
-مَذْهَبُ ابْنِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ الرَّفْعَ جَائِزٌ، عَلَى أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَأَنَّ"إِلاَّ"بِمَعْنَى"لَكِنْ"، وَالاِسْمُ الْمَرْفُوعُ بَعْدَ"إِلاَّ"مْبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَدْ يُذْكَرُ فِي الْكَلاَمِ، وَقَدْ يُحْذَفُ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَذْهَبَ الأَخِيرَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ حَكَى الاِنْقِطَاعَ فِي الإِيجَابِ، فِي قَوْلِهِ: « (هَذاَ بَابُ مَا يَكُونُ مُبْتَدَأً بَعْدَ إِلاَّ) ... وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ:"وَاللهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا إِلاَّ حِلُّ ذَلِكَ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا". فَـ"أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا"بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ كَذَا
(1) البيت من الوافر، لعمرو بن معديكرب في: الكتاب 2/ 334، ومجاز القرآن 1/ 131، ولحضرمي بن عامر بن مجمع في: شرح أبيات سيبويه/ لابن السيرافي 2/ 59، ولهما في: الدرر اللوامع 1/ 194، 195، وبلا نسبة في: المقتضب 4/ 409، وإيضاح الشعر، ص:466، والإنصاف 1/ 250، 253، وشرح المفصل 2/ 72، وشرح أبيات المغني 2/ 105.
و «الشاهد فيه نعت"كلّ"بقوله:"إلا الفرقدان"على تأويل"غير"، والتقدير: وكل أخ غيرُ الفرقدين مفارِقُهُ أخوه» تحصيل عين الذهب، ص:363.
(2) المفهم 6/ 617.
(3) شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 9/ 125.