وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «فَأَنْتَجَ هَذَانِ» خَالَفَهُ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغُةِ [1] ؛ لِذَا قَالَ الأَزْهَرِيُّ: «هَذَا غَلَطٌ، لاَ يُقَالُ:"أَنْتَجَتْ"بِمَعْنَى: وَضَعَتْ» [2] .
وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: «وَ"أَنْتَجَتْ": إِذَا حَمَلَتْ، فَهِيَ"نَتُوجٌ"، وَلاَ يُقَالُ:"مُنْتِجٌ".... وَفِي حَدِيثِ الأَقْرَعِ وَالأَبْرَصِ: (فَأَنْتَجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا) كَذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ (أَنْتَجَ) ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: (نَتَجَ) ، فَأَمَّا (أَنْتَجَتْ) فَمَعْنَاهُ: إِذَا حَمَلَتْ، أَوْ حَانَ نِتَاجُهَا، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ» [3] .
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ: «قَوْلُهُ: (فَأَنْتَجَ هَذَانِ) أَيْ: صَاحِبَا الإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كَذَا وَقَعَ"أَنْتَجَ"، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَالْفَصِيحُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ:"نُتِجَتِ النَّاقَةُُ"بِضَمِّ النُّونِ، وَ"نَتَجَ الرَّجُلُ النَّاقَةَ"، أَيْ: حَمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلَ، وَقَدْ سُمِعَ"أَنْتَجَتِ الْفَرَسُ"، أَيْ: وَلَدَتْ، فَهِيَ نَتُوجٌ، وَلاَ يُقَالُ:"مُنْتِجٌ"» [4] .
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي اللُّغَةِ"نُتِجَتِ النَّاقةُ": إِذَا وَلَدَتْ بِنَفْسِهَا،"وَنَتَجَهَا أَهْلُهَا": إِذَا وَلَّدَهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ خَطَّأَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ قَوْلَهُمْ:"أَنْتَجَتِ النَّاقةُ"بِمَعْنَى: وَلَدَتْ؛ لأَنَّ"أَنْتَجَتْ"تَعْنِي -غَالِبًا-: قَرُبَ وَضْعُهَا، أَوْ تَعْنِي:"حَمَلَتْ"نَادِرًا، قَالَ الْوَقَّشِيُّ: «وَقَوْلُهُ:"إِذَا نُتِجَتِ النَّاقَةُ"، يُقَالُ:"نُتِجَتِ النَّاقَةُ"عَلَى صِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ: إِذَا وَلَدَتْ، وَ"أَنْتَجَتْ"-بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ-: إِذَا حَانَ نِتَاجُهَا، وَ"نَتَجَهَا صَاحِبُهَا": إِذَا تَوَلَّى أَمْرَ نِتَاجِهَا، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ» [5] .
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «فَأَنْتَجَ هَذَانِ» يُخَالِفُهُ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ.
وَمِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُمْ:"نَتَجَ"، وَ"أَنْتَجَ"لُغَتَانِ بِمَعْنَى: وَلَدَتْ، أَيْ: إِنَّهُ مِمَّا جَاءَ فِيهِ"فَعَلَ"بِمَعْنَى"أَفْعَلَ"، وَ"أُنْتِجَ"بِمَعْنَى: وَلَّدَ.
وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلاَءِ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ صَحِيحٌ فَصِيحٌ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) ينظر: التنقيح 2/ 750.
(2) تهذيب اللغة (ن ت ج) 11/ 6.
(3) النهاية (ن ت ج) .
(4) عمدة القاري 16/ 48. وينظر: إرشاد الساري 7/ 418.
(5) التعليق على الموطأ 1/ 383.