«رُتَبُ الْفَصِيحِ مُتَفَاوِتَةٌ: فَفِيهَا فَصِيحٌ، وَأَفْصَحُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ تَفَاوُتُ رُتَبِ الصَّحِيحِ: فَفِيهَا صَحِيحٌ، وَأَصَحُّ» [1] .
وَأَمَّا"الأَفْصَحُ"مِنْ حَيْثُ التَّصْرِيفُ فَعَلَى وَزْنِ"أَفْعَلَ"، وَمُؤَنَّثُهُ"الْفُصْحَى" [2] مِنَ الْفَصَاحَةِ.
وَصِيغَةُ"أَفْعَلَ"إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى التَّفْضِيلِ أَوِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ.
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُؤَوَّلَةً بِاسْمِ الْفَاعِلِ، أَوِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، فَتَتَجَرَّدُ عَنْ مَعْنَى التَّفْضِيلِ، فَيُقَالُ -مَثَلًا: أَفْضَلُ، وَأَحْسَنُ، بِمَعْنَى: فَاضِلٍ، وَحَسَنٍ.
وَهَذَا الأَخِيرُ -عِنْدَ الْجُمْهُورِ- مَسْمُوعٌ فِي"أَفْعَلَ"الْعَارِي عَنِ الأَلِفِ وَاللاَّمِ، وَالإِضَافَةِ، وَ"مِنْ" [3] ؛ لِذَلِكَ فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِي قَوْلِهِمْ:"الأَفْصَحُ"أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُفَاضَلَةِ؛ لأَنَّهُ يَتَحَلَّى بِالأَلِفِ وَاللاَّمِ، وَقَدَ يَتَجَرَّدُ عَنْهُمَا.
وَإِذَا أُجْرِيَتْ مُفَاضَلَةٌ -اعْتِمَادًا عَلَى الْمَعْنَى الرَّاجِحِ فِي"الأَفْصَحِ"- فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَتِّمَّ -فِي هَذَا الْبَحْثِ- بَيْنَ اللُّغَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَاللَّهَجَاتِ الأُخْرَى، أَوْ بَيْنَ الأَلْفَاظِ وَالتَّرَاكِيبِ دَاخِلَ اللُّغَةِ الْمُشْتَرَكَةِ نَفْسِهَا.
كَانَتْ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ لَهْجَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، ذَاتُ صِفَاتٍ خَاصَّةٍ؛ لاِنْعِزَالِ الْقَبَائِلِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَمَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، وَكَثْرَةِ اتِّصَالِ تِلْكَ الْقَبَائِلِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ قَبْلَ الإِسْلاَمِ، وَفِي الْمُؤْتَمَرَاتِ الثَّقَافِيَّةِ، الَّتِي كَانَتْ تُسَمَّى بِالأَسْوَاقِ، جَعَلُوا يُحِسُّونَ بِحَاجَّةٍِ مَاسَّةٍ إِلَى وَسِيلَةٍ لِلتَّفَاهُمِ. [4]
(1) المزهر 1/ 212.
(2) اسم التفضيل إذا كان محلًّى بالألف واللام وجبت المطابقة، فيُقَالُ-مثلا-: زيد الأفضل، وهند الْفُضْلَى. ينظر: المقتضب 1/ 168، 3/ 377، وشرح الكافية 3/ 517، وشرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب/ لابن هشام، ص:496.
(3) ينظر: شرح الكافية 3/ 524.
خالف المبرد الجمهور في هذه المسألفة فجعلها قياسا مطردًا فقال: «واعلم أن"أفعل"إذا أردت أن تضعه موضع الفاعل فمطرد، فمن ذلك قوله [الرجز] :
قُبِّحْتُمُ يَا آلَ زَيْدٍ نَفَرًا *** أَلأَمُ قَوْمٍ أَصْغَرًا وَأَكْبَرَا
يريد: صغيرا وكبيرا» المقتضب 3/ 247.
(4) ينظر: في اللهجات العربية/ للدكتور إبراهيم أنيس، ص:39.