وَمِنْ أَبْرَزِ تِلْكَ التَّرَاكِيبِ الرَّائِعَةِ قَوْلُهُ (: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» [1] ، قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ -مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ-: «هَذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍِ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ (، وَلَوْ أَتَيْنَا بِمَجَازٍ غَيْرِ ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ، فَقُلْنَا:"اسْتَعَرَتِ الْحَرْبُ"، لَمَا كَانَ مُؤَدِّيًا مِنَ الْمَعْنَى مَا يُؤَدِّيهِ"حَمِيَ الْوَطِيسُ"، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ"الْوَطِيسَ"هُوَ: التَّنُّورُ، وَهُوَ مَوْطِنُ الْوَقُودِ، وَمُجْتَمَعُ النَّارِ، وَذَلِكَ يُخَيِّلُ إِلَى السَّامِعِ أَنَّ هُنَاكَ صُورَةً شَبِيهَةً بِصُورَتِهِ، فِي حَمْيِهَا وَتَوَقُّدِهَا، لاَ يُوجَدُ فِي قَوْلِنَا:"اسْتَعَرَتِ الْحَرْبُ"، أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ» [2] .
أ- أَثَرُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي تَوْثِيقِ الْمَرْوِيِّ اللُّغَوِيِّ [3] :
كَانَتْ بِدَايَةُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي زَمَنٍ مُبَكِّرٍ، مِنَ الْقَرْنِ الأَوَّلِ الْهِجْرِيِّ، وَفْقَ خُطَّةٍ دَقِيقَةٍ، مَحْفُوفَةٍ بِضَوَابِطَ صَارِمَةٍ، بَيَّنُوا فِيهَا الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ مِنْ سَقِيمِهَا، وَصَنَّفُوا رِجَالَهَا فِي طَبَقَاتٍ زَمَانِيَّةٍ، وَفِي دَرَجَاتٍ مِنْ حَيْثُ التَّعْدِيلُ وَالْجَرْحُ.
وَقَدْ كَانَتْ لِعَمَلِ الْمُحَدِّثِينَ آثَارٌ وَاضِحَةٌ فِي جَمْعِ اللُّغَةِ، وَتَوْثِيقِهَا، وَبَيَانِ صَالِحِهَا مِنْ طَالِحِهَا، وَفِي تَصْنِيفِ الْقَبَائِلِ وَالرُّوَاةِ. [4]
وَقَدْ صَوَّرَ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ، الْمُحَدِّثُ اللُّغَوِيُّ، هَذَا التَّأَثُّرَ، أَجْمَلَ تَصْوِيرٍ فِي كِتَابِهِ الْقَيِّمِ: (الْمُزْهِرُ فِي عُلُومِ اللُّغَةِ وَأَنْوَاعِهَا) [5] ، افْتَتَحَهُ بِقَوْلِهِ: « هَذَا عِلْمٌ شَرِيفٌ، ابْتَكَرْتُ تَرْتِيبَهُ، وَاخْتَرَعْتُ تَنْوِيعَهُ وَتَبْوِيبَهُ، وَذَلِكَ فِي عُلُومِ اللُّغَةِ وَأَنْوَاعِهَا، وَشُرُوطِ أَدَائِهَا وَسَمَاعِهَا، حَاكَيْتُ بِهِ عُلُومَ الْحَدِيثِ فِي التَّقَاسِيمِ وَالأَنْوَاعِ، وَأَتَيْتُ فِيهِ بِعَجَائِبَ وَغَرَائِبَ حَسَنَةِ الإِبْدَاعِ ... » .
ثُمَّ ذَكَرَ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ كَثِيرًا مِنْ مُصْطَلَحَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، مِثْلَ: التَّوَاتُرِ، وَالآحَادِ، وَالصَّحِيحِ، وَالضَّعِيفِ، وَالْمَقْبُولِ، وَالْمَرْدُودِ، وَالْمُنْكَرِ، وَالْمَتْرُوكِ ... [6] .
(1) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب (28) ، ح 76 - (1775) 3/ 1399.
(2) المثل السائر 1/ 49، 50. وينظر: النهاية (و ط س) .
(3) ينظر: الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:243 وما بعدها، والرواية والاستشهاد باللغة/ للدكتور محمد عيد، ص:86، وما بعدها.
(4) ينظر: اللغة العربية وعلومها/ لعمر رضا كحّالة، ص:14، 15، والرواية والاستشهاد باللغة، ص:80، 81.
(6) ينظر -مثلا-: المزهر في علوم اللغة وأنواعها 1/ 1، 2.