فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 1015

وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اخْتِلاَفُ الصُّورَتَيْنِ فِي"جُنُّ، وَزُكِمَ"بِالإِسْنَادِ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَ"أَجَنَّهُ، وَأَزْكَمَهُ"بِالإِسْنَادِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَالْقِيَاسُ اتِّحَادُ الْحُرُوفِ، وَاخْتِلاَفُ الْحَرَكَاتِ.

قَالَ ابْنُ جِنِّي -مُجِيبًا عَنْ هَذَا الإِشْكَالِ-: «فَإِنْ قِيلَ لَكَ مِنْ بَعْدُ: وَمَا بَالُ هَذَا خَالَفَ فِيهِ الْفِعْلُ مُسْنَدًا إِلَى الْفَاعِلِ صُورَتَهُ مُسْنَدًا إِلَى الْمَفْعُولِ، وَعَادَةُ الاِسْتِعْمَالِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنْ يَجِيءَ الضَّرْبَانِ مَعًا فِي عِدَةٍ وَاحِدَةٍ، نَحْوُ:"ضَرَبْتُهُ، وَضُرِبَ، وَأَكَرَمْتُهُ، وَأُكْرِمَ"، وَكَذَلِكَ مُقَادُ هَذَا الْبَابِ؟.

قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا قَوِيَ فِي أَنْفُسِهَا أَمْرُ الْمَفْعُولِ، حَتَّى كَادَ يُلْحَقُ عِنْدَهَا بِرُتْبَةِ الْفَاعِلِ، وَحَتَّى قَالَ سِيبَوَيْهِ فِيهِمَا:"وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يَهُمَّانِهِمْ وَيَعْنِيَانِهِمْ"، خُصُّوا الْمَفْعُولََ، إِذَا أُسْنِدَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ، بِضَرْبَيْنِ مِنَ الصَّنْعَةِ:

أَحَدُهُمَا: تَغْيِيرُ صُورَةِ الْمِثَالِ مُسْنَدًا إِلَى الْمَفْعُولِ عَنْ صُورَتِهِ مُسْنَدًا إِلَى الْفَاعِلِ، وَالْعِدَةُ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ نَحْوُ:"ضَرَبَ زَيْدٌ، وَضُرِبَ، وَقَتَلَ، وَقُتِلَ، وَأَكْرَمَ، وَأُكْرِمَ، وَدَحْرَجَ، وَدُحْرِجَ".

وَالآخَرُ: أَنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا، وَلَمْ يَقْنَعُوا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّغْيِيرِ، حَتَّى تَجَاوَزُوهُ إِلَى أَنْ غَيَّرُوا عِدَةَ الْحُرُوفِ، مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ، كَمَا غيَّرُوا فِي الأَوَّلِ الصُّورَةَ وَالصِّيغَةَ وَحْدَهَا، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ:"أَحْبَبْتُهُ، وَحُبَّ، وَأَزْكَمَهُ اللهُ، وَزُكِمَ، وَأَضْأَدَهُ اللهُ، وَضُئِدَ، وَأَمْلأَهُ اللهُ، وَمُلِئَ"، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: فَهَذَا يَدُلُّكُ عَلَى تَمَكُّنِ الْمَفْعُولِ عِنْدَهُمْ، وَتَقَدُّمِ حَالِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ؛ إِذْ أَفْرَدُوهُ بِأَنْ صَاغُوا الْفِعْلَ لَهُ، صِيغَةً مُخَالِفَةً لِصِيغَتِهِ وَهُوَ لِلْفَاعِلِ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ تَدْرِيجِ اللُّغَةِ عِنْدَهُمْ، الَّذِي قدَّمْتُ بَابَهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا غَيَّرُوا الصِّيغَةَ وَالْعِدَةُ وَاحِدَةٌ فِي نَحْوِ:"ضَرَبَ وَضُرِبَ، وَشَتَمَ وَشُتِمَ"، تَدَرَّجُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ غَيَّرُوا الصِّيغَةَ مَعَ نُقْصَانِ الْعِدَةِ، نَحْوُ:"أَزْكَمَهُ اللهُ وَزُكِمَ، وَآرَضَهُ اللهُ وَأُرِضَ وَنَظِيرُ مَجِيءِ اسْمِ الْمَفْعُولِ هَهُنَا عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ نَحْوُ:"أَحْبَبْتُهُ فَهُوَ مَحْبُوبٌ"مَجِيءُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى حَذْفِهَا -أَيْضًا- وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ:"أَوْرَسَ الرَّمثُ، فَهُوَ وَارِسٌ» [1] .

وَهَذَا الرَّدُّ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- مِنَ التَّرَفِ الْعِلْمِيِّ، الَّذِي كَانَ يَتَمَتَّعُ بِهِ أُولَئِكَ الْقَوْمُ الأَفْذَاذُ، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ بِمِصْرَاعَيْهِ لأَدَّى إِلَى بَلْبَلَةٍ وَاضْطِرَابٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقَوَاعِدِ؛ إِذْ لاَ يُوجَدُ ضَابِطٌ دَقِيقٌ مُحَدَّدٌ لِمَا هُوَ مُتَمَكِّنٌ فِي أَنْفُسِ الْعَرَبِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: الْمُخَالَفَةُ فِي اسْمِ التَّفْضِيلِ.

(1) الخصائص 2/ 217 - 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت