وَقَدْ جَمَعَ الطَّيْبِيُّ هَذِهِ الأَوْجُهَ فِي قَوْلِهِ: « ... قَوْلُهُ: (أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ) الْجَوْهَرِيُّ:"قَطُّ": لِلْمَاضِي مِنَ الزَّمَانِ، يَقُولُ:"قَطُّ مَا فَارَقْتُكَ"."مظ":"مَا"مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ؛ لأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ"أَفْعَلُ"يَكُونُ جَمْعًا، وَ"آمَنُهُ"عَطْفٌ عَلَى"أَكْثَرُ"، وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى"مَا"، وَ"الْوَاوُ"فِي قَوْلِهِ:"وَنَحْنُ"لِلْحَالِ، وَالْمَعْنَى: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ (، وَالْحَالُ أَنَّا أَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الأَوْقَاتِ عَدَدًا، وَأَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الأَوْقَاتِ أَمْنًا، وَإِسْنَادُ الأَمْنِ إِلَى الأَوْقَاتِ مَجَازٌ.
"شف": وَعَلَى هَذَا"قَطُّ"مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لأَنَّ"قَطُّ"يَخْتَصُّ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ، وَلاَ مَنْفِيَّ هَا هُنَا، تَقْدِيرُهُ: مَا كُنَّا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ آمَنَهُ قَطُّ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ"مَا"نَافِيَةً خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ، وَ"أَكْثَرَ"مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ"كَانَ"، وَالتَّقْدِيرُ: وَنَحْنُ مَا كُنَّا قَطُّ فِي وَقْتٍ أَكْثَرَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلاَ آمَنَ مِنَّا فِيهِ.
وَيَجُوزُ إِعْمَالُ مَا بَعْدَ"مَا"فِيمَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى:"لَيْسَ"، فَكَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ خَبَرِ"لَيْسَ"عَلَيْهِ جَازَ تَقْدِيمُ خَبَرِ مَا فِي مَعْنَاهُ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ"وَآمَنَهُ"فِعْلًا مَاضِيًا، وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ مُضَافًا إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ إِلَى النَّبِيِّ (، أَيْ: وَأَمَّنَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ (حِينَئِذٍ.
أَقُولُ: هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ"أَكْثَرَ"خَبَرَ"كَانَ"؛ إِذْ لاَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُعْطَفَ"وَآمَنَهُ"عَلَى"أَكْثَرَ"، وَهُوَ مُتَعَسِّفٌ جِدًّا، وَالْوَجْهُ هُوَ الأَوَّلُ» [1] .
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ -عَنِ الْحَدِيثِ الآخَرِ: «فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟» : « ... اسْتُعْمِلَ"قَطُّ"بِغَيْرِ أَدَاةِ النَّفْيِ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ:"صَلَّيْتُ أَكْثَرَ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنَهُ رَكَعَتَيْنِ"، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّفْيَ مُضَمَّنٌ فِيهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ، أَوْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَطُّ» [2] .
(1) شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 3/ 194، 195.
(2) فتح الباري 1/ 47. وينظر: الكواكب الدراري 1/ 56، وإرشاد الساري 1/ 107.