وَاسْتَشْهَدَ لَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) [1] بِالْحَدِيثِ: «أَنَّ أُبَيًّا قَالَ: كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأَحْزَابِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: ثَلاَثًا وَسَبْعِينَ، فَقَالَ: قَطُّ» [2] ، أَيْ: مَا كَانَتْ كَذَا قَطُّ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ يُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ فِي نَظَرِ جُمْهُورِ النُّحَاةِ، وَيُوَافِقُهُ فِي نَظَرِ الْبَعْضِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ مَعَ ابْنِ مَالِكٍ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثَيْنِ:
-فَابْنُ مَالِكٍ يَرَى أَنَّهُمَا مِمَّا اسْتُعْمِلَ فِيهِ"قَطُّ"غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِنَفْيٍ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَهُوَ جَائِزٌ؛ لِوُجُودِ شَوَاهِدَ أُخْرَى، وَفِي هَذَا يَقُولُ: «وَفِي قَوْلِهِ: (وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ) اسْتِعْمَالُ"قَطُّ"غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِنَفْيٍ، وَهُوَ مِمَّا خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ؛ لأَنَّ الْمَعْهُودَ اسْتِعْمَالُهُ لاِسْتِغْرَاقِ الزَّمَانِ الْمَاضِي بَعْدَ نَفْيٍ، نَحْوُ:"مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ قَطُّ"، وَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دُونَ نَفْيٍ، وَلَهُ نَظَائِرُ» [3] .
-أَمَّا الشُّرَّاحُ فَيَرَوْنَ أَنَّ النَّفْيَ فِي ذَلِكَ مُقَدَّرٌ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: « ... وَكَلِمَةُ"قَطُّ"مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ:"وَنَحْنُ مَا كُنَّا أَكْثَرَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلاَ أَكْثَرَ أَمْنًا"، وَهَذَا يُسْتَدْرَكُ بِهِ عَلَى ابْنِ مَالِكٍ، حَيْثُ قَالَ: اسْتِعْمَالُ"قَطُّ"غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِالنَّفْيِ مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِدُونِ النَّفْيِ» [4] .
وَقَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « ... وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ"مَا"نَافِيَةً خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإِ [5] الَّذِي هُوَ"نَحْنُ"، وَ"أَكْثَرَ"مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ"كَانَ"، وَالتَّقْدِيرُ:"نَحْنُ مَا كُنَّا قَطُّ فِي وَقْتٍ أَكْثَرَ مِنَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَلاَ آمَنَ مِنَّا فِيهِ"، وَيَجُوزُ إِعْمَالُ مَا بَعْدَ"مَا"فِيمَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى"لَيْسَ"، فَكَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ خَبَرِ لَيسَ عَلَيْهِ يَجُوزُ تَقْدِيمُ خَبَرِ مَا فِي مَعْنَاهُ عَلَيْهِ» [6] .
(2) مسند الإمام أحمد، ح (21245) 5/ 132.
(3) شواهد التوضيح، ص:193.
(4) فتح الباري 2/ 657. وينظر: الكواكب الدراري 8/ 155.
(5) لعل القسطلاني يقصد أن الجملة التي دخلت عليها"ما"هي الخبر، وإلا فإنه لا يمكن أن تكون"ما"نافية وخبرا في وقت واحد؛ لأنها إذا كانت نافية فهي حرف، لا محل لها من الإعراب، وإذا كانت خبرا فهي اسم، ولا يمكن أن تكون"ما"حرفا واسما في آن واحد.
(6) إرشاد الساري 4/ 178.