الْمُخَالَفَةُ: جَاءَ اسْمُ"لاَ"النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الآتِي: أَنَّ النَّبِيَّ ( «كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَِدِّ مِنْكَ الْجَِدُّ» [1] .
تَنْصِبُ"لاَ"الاِسْمَ، وَتَرْفَعُ الْخَبَرَ؛ فَتُسَمَّى"لاَ"التَّبْرِئَةَ، أَوِ النَّافِيَةَ لِلْجِنْسِ، أَوِ الْعَامِلَةَ عَمَلَ"إِنَّ" [2] ، وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ لاَ تَعْمَلَ ذَلِكَ؛ لأَنَّهَا مِنَ الْحُرُوفِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الأَسْمَاءِ وَالأَفْعَالِ، أَيْ: إِنَّهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ، غَيْرَ أَنَّهَا عَمِلَتْ فِي النَّكِرَاتِ خَاصَّةً؛ لِعِلَّةٍ عَارِضَةٍ، هِيَ مُضَارَعَتُهَا"إِنَّ". [3]
وَلاِسْمِهَا ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ هِيَ [4] :
أ- أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا، وَهُوَ مَا لَيْسَ بِمُضَافٍ، وَلاَ شَبِيهًا بِمُضَافٍ. فَحُكْمُهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى مَا يُنْصَبُ بِهِ، نَحْوُ:"لاَ رَجُلَ فِي الدَّارِ، وَلاَ قَوْمَ فِي الْمَدِينَةِ".
ب- أَنْ يَكُونَ مُضَافًا، فَهَذَا يُنْصَبُ غَيْرَ مُنَوَّنٍ، نَحْوُ:"لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ حَاضِرٌ".
ج- أَنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى مُطَوَّلًا، وَمَمْطُولًا، وَيُعْنَى بِهِ: مَا اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ تَمَامِ مَعْنَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَرْفُوعًا، نَحْوُ:"لاَ قَبِيحًا فِعْلُهُ مَحْمُودٌ"؛ فَـ"فِعْلُهُ"فَاعِلٌ لِلصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ"قَبِيحًا"، أَمْ كَانَ مَنْصُوبًا، نَحْوُ:"لاَ طَالِعًا جَبَلًا حَاضِرٌ"؛ فَـ"جَبَلًا"مَفْعُولٌ لاِسْمِ الْفَاعِلِ"طَالِعًا"، أَمْ كَانَ مَجْرُورًا، نَحْوُ:"لاَ خَيْرًا مِنْ زَيدٍ عِنْدَنَا"؛ فَـ"مِنْ زَيْدٍ"مُتَعَلِّقٌ بِـ"خَيْرًا"، فُكُلٌّ مِنَ الْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِ، وَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، مِنْ تَمَامِ اسْمِ"لاَ". [5]
وَفِي هَذَا يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: «هَذَا بَابُ مَا يُثْبَتُ فِيهِ التَّنْوِينُ مِنَ الأَسْمَاءِ الْمَنْفِيَّةِ؛ وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ التَّنْوِينَ لَمْ يَصِرْ مُنْتَهَى الاِسْمِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ حَرْفٌ قَبْلَ آخِرِ الاِسْمِ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ فِي النَّفْيِ
(1) البخاري، كتاب الأذان، باب (155) ، ح (844) 1/ 168، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب (26) ، ح 137 - (593) 1/ 415.
(2) ينظر: التصريح على التوضيح 1/ 336.
(3) ينظر: الكتاب 2/ 274، وشرح المفصل 2/ 91.
(4) ينظر: شرح المفصل 2/ 91، وشرح شذور الذهب/ للجوجري 2/ 515، 516، وشرح الأشموني 2/ 5، والتصريح على التوضيح 1/ 341.
(5) ينظر: الأصول في النحو/ لابن السراج 1/ 387.