وَعَلَّلَ ذَلِكَ الصَّبَّانُ فِي (حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الأُشْمُونِيِّ) [1] بِـ « ... أَنَّ إِعْمَالَ الأَدَاةِ فِي لَفْظِ الشَّرْطِ، ثُمَّ الْمَجِيءُ بِالْجَوَابِ مَاضِيًا، كَتَهْيِئَةِ الْعَامِلِ لِلْعَمَلِ، ثُمَّ قَطْعُهُ .... » .
وَافَقَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى جَوَازِ مَجِيءِ فِعْلِ الشَّرْطِ مُضَارِعًا وَجَوَابِهِ مَاضِيًا، وَلَكِنْ مَعَ الاِعْتِرَافِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ -عَنِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ-: « ... فِيهِ مَجِيءُ فِعْلِ الشَّرْطِ مُضَارِعًا وَالْجَوَابِ مَاضِيًا، وَهُوَ قَلِيلٌ» [2] .
فِي حِينَ اعْتَرَضَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى الاِسْتِشْهَادِ بِهِ قَائِلًا: « ... وَاسْتَدَلُّوا -أَيْضًا- بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعِنْدِي فِي الاِسْتِدْلاَلِ بِهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّنِي أَظُنُّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ؛ لأَنَّ الرِّوَايَاتِ فِيهِ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ .... » [3] ، وَكَذَا فَعَلَ السُّيُوطِيُّ قَائِلًا: «قُلْتُ: الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ -أَيْضًا- بِلَفْظِ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدَرِ) [4] فُعَرِفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَالأَلْيَقُ بِأَنْ يُنْسَبَ إِلَى لَفْظِ النُّبُوَّةِ مَا وَافَقَ الْفَصِيحَ» [5] .
وَاعْتَرَضَ الأَزْهَرِيُّ عَلَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَعَلَى الآيَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا الْفَرَّاءُ، قَائِلًا فِي ذَلِكَ: «وَلِلأَكْثَرِينَ أَنْ يُجِيبُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى، فَلَيْسَ نَصًّا فِي الدَّلِيلِ، وَعَنِ الآيَةِ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ» [6] .
وَيُرَدُّ عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعْتَرِضِينَ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ «مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ رَقَّ» الثَّابِتِ، وَبِتِلْكَ الأَبْيَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ مَالِكٍ.
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ جُمْهُورَ النُّحَاةِ خَصُّوا مَجِيءَ فِعْلِ الشَّرْطِ مُضَارِعًا، وَجَوَابِهِ مَاضِيًا، بِالضَّرُورَةِ، وَالرَّاجِحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- جَوَازُهُ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ لِمَا يَلِي:
1 -وُرُدُوهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الصَّحِيحِ، وَفِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ بِلاَ ضَرُورَةٍ.
(1) حاشية الصبان مع شرح الأشموني 4/ 16.
والأشموني هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن عيسى، نور الدين، من فقهاء الشافعية، من مصنفاته:"شرح ألفية ابن مالك"، و"نظم المنهاج"، و"نظم جمع الجوامع". توفي سنة تسع مئة من الهجرة (900 هـ) تقريبًا. ينظر: الضوء اللامع، رقم (10) 6/ 5.
(2) التنقيح 1/ 36.
(3) فتح الباري 1/ 114.
(4) البخاري، كتاب الصوم، باب (6) ، ح (1802) 2/ 672.
(5) عقود الزبرجد 2/ 348.
(6) التصريح على التوضيح 2/ 401.