فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 1015

أَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي «إِذْ قَسَّمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنٍ» فَقَدْ خَالَفَهُ قِيَاسُ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ مَعًا؛ لأَنَّ الْفَصْلَ فِيهِ بِفِعْلٍ مُلْغًى، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ إِلاَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِي الشِّعْرِ، [1] قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (وَعُمْرَةُ الْجَعْرَانَةِ؛ إِذْ قَسَّمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنٍٍ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، بِنَصْبِ"غَنِيمَةَ"بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَكَأَنَّ الرَّاوِي طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لَفْظَ"أُرَاهُ"، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، أَيْ: أَظُنُّهُ، وَقَدْ رَوَاهُ مْسْلِمٌ عَنْ هَدَبَةَ عَنْ هَمَّامٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، فَقَالَ: (حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) » [2] .

يُلْحَظَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ بِالظَّرْفِ وَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُضَافِ، جَائِزٌ فِي الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ-عِنْدَ الْكُوفِيِّين وَابْنِ مَالِكٍ-؛ لِوُرُودِهِ فِي كَلاَمِ الْفُصَحَاءِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ أَحْسَنِ الْفَصْلِ؛ لأَنَّهُ فَصلٌ بِمَعْمُولِ الْمُضَافِ، فَكَانَ فِيهِ قُوَّةٌ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَجُوزَ فِي الاِخْتِيَارِ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِالاِضْطِرَارِ، وَبِذَلِكَ أَقِيسُ عَلَى وُرُودِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ (أَنَّ النَّبِيَّ (قَالَ:"هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي"أَرَادَ: هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو صَاحِبِي لِي، فَفَصَلَ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ؛ لأَنَّهُ مُتَعِلِّقٌ بِالْمُضَافِ، وَهُوَ أَفْصَحُ النَّاسِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ مَنْ خَصَّهُ بِالضَّرُورَةِ» [3] .

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ: (هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي) جَارٍ عَلَى قِيَاسِهِمْ، وَمُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْبَصْرِيِّينَ.

(1) ينظر: شرح التسهيل 3/ 276.

(2) فتح الباري 3/ 704. وتنظر: عمدة القاري 10/ 114، وإرشاد الساري 4/ 299.

وهدبة هو: ابن خالد، أبو خالد، البصري، الأزدي، سمع هماما، وتوفي سنة ست وثلاثين ومئتين (236 هـ) . ينظر: التاريخ الكبير، رقم (2887) 8/ 247، ومولد العلماء ووفياتهم 2/ 519.

وهمَّام هو: ابن يحيى بن دينار، أبو عبد الله، ويُقَالُ أبو بكر، العوذي مولاهم، البصري، سمع الحسن وقتادة وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وستين ومئة (163 هـ) ، وقيل: غيرها. ينظر: التاريخ الكبير، رقم (2852) 8/ 237، ومولد العلماء ووفياتهم 1/ 378، وتذكرة الحفاظ 1/ 201.

(3) شرح التسهيل 3/ 273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت