قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَفِي (تَارِكُو لِي صَاحِبِي) شَاهِدٌ عَلَى جَوَازِ الْفَصْلِ دُونَ ضَرُورَةٍ، بِجَارٍّ وََمَجْرُورٍ، بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، إِنْ كَانَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِالْمُضَافِ» [1] .
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَجْهًا آخَرَ، غَيْرَ مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ حَذْفُ النُّونِ مِنْ"تَارِكُو"؛ لاِسْتِطَالَةِ الْكَلاَمِ، لاَ لِلإِضَافَةِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ: «قَوْلُهُ: (تَارِكُو لِي صَاحِبِي) فِي التَّفْسِيرِ: (تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي) وَهِيَ الْمُوَجَّهَةُ، حَتَّى قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: إِنَّ حَذْفَ النُّونِ مِنْ خَطَأِ الرُّوَاةِ؛ لأَنَّ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ مُضَافَةً، وَلاَ فِيهَا أَلِفٌ وَلاَمٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْحَذْفُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ.
وَوَجَّهَهَا غَيْرُهُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ (صَاحِبِي) مُضَافًا، وَفُصِلَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيهِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ؛ عِنَايَةً بِتَقْدِيمِ لَفْظِ الإِضَافَةِ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ إِضَافَتَيْنِ إِلَى نَفْسِهِ؛ تَعْظِيمًا لِلصِّدِّيقِ، وَنَظِيرُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلاَدَهُمْ شُرَكَائِهِمْ ... } ، وَخُفِضَ"شُرَكَائِهِمْ"، وَفُصِلَ بَيْنَ الْمُضَافَيْنِ بِالْمَفْعُولِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اسْتَطَالَ الْكَلاَمَ، فَحَذَفَ النُّونَ، كَمَا يُحْذَفُ مِنَ الْمَوْصُولِ الْمُطَوَّلِ، وَمِنْهُ مَا ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [2] » [3] .
وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ مُؤَيَّدٌ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ «إِسْقَاطُ النُّونِ وَالْخَفْضُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلاَمٍ، وَلاَ مُضَافًا إِلَى مَا فِيهِ الأَلِفُ وَاللاَّمُ؛ لأَنَّ فِي الإِضَافَةِ تَخْفِيفًا بِإِسْقَاطِ النُّونِ، بِخِلاَفِ الْمُفْرَدِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ:"هَذَانِ الضَّارِبَانِ زَيْدًا"، ثُمَّ أَسْقَطْتَ النُّونَ، فَقُلْتَ:"هَذَانِ الضَارِبَا زَيْدٍ"، كَانَ أَخَفَّ؛ لِزَوَالِ النُّونِ، وَإِذَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي"هَذَا ضَارِبٌ زَيْدًا":"هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ"، وَهُمْ يُرِيدُونَ مَعْنَى التَّنْوِينِ؛ لِيَخِفَّ اللَّفْظُ، فَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُنَا؛ لأَنَّ هُنَا إِسْقَاطَ حَرْفٍ مُتَحَرِّكٍ، وَفِي:"هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍٍ"، إِسْقَاطَ حَرْفٍٍ سَاكِنٍٍ» [4]
(1) شواهد التوضيح، ص:167.
(2) سورة التوبة، من الآية: 69.
(3) فتح الباري 7/ 31.
(4) البسيط/ لابن أبي الربيع 2/ 1006.