فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 1015

وَقِيلَ: إِنَّ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ -أَيْضًا- الْفَصْلَ بِفِعْلٍ مُلْغًى [1] ، وَبِالْمَفْعُولِ لأَجْلِهِ. [2]

وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ -عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ- خَالَفَهُمَا الْقِيَاسُ؛ لأَنَّ فِيهِمَا فَصْلًا بَيْنَ الْمُضَافِ ("تَارِكُو"، وَ"غَنِيمَةَ") وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ ("صَاحِبِي"، وَ"حُنَيْنِ") بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ"لِي"فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ، وَبِالْفِعْلِ الْمُلْغَى"أُرَاهُ"فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، وَهَذَا مِمَّا لاَ يَجْوزُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ فِي الشِّعْرِ.

وَبِهَذَا الْمَذْهَبِ أَخَذَ الْعُكْبَرِيُّ فِي (إِتْحَافُ الْحَثِيثِ) [3] ، فَرَدَّ الرِّوَايَةَ فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ قَائِلًا: «الْوَجْهُ"تَارِكُونَ"؛ لأَنَّ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ مُضَافَةً؛ لأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ يَمْنَعُ الإِضَافَةَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ حَذْفُ النُّونِ فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الإِضَافَةُ، وَلاَ إِضَافَةَ هُنَا.

وَالثَّانِي: إِذَا كَانَ فِي"تَارِكُونَ"الأَلِفُ وَاللاَّمُ، مِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

الْحَافِظُو عَوْرَةَ الْعَشِيرَةِ [4] .... ***

وَالأَشْبَهُ أَنَّ حَذْفَهَا مِنْ غَلَطِ الرُّوَاةِ».

وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَاخَتِيَارِ ابْنِ مَالِكٍ فَالْحَدِيثُ الأَوَّلُ «تَارِكُو لِي صَاحِبِي» جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَجَازُوهَا فِي الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ،

(1) ينظر: التصريح على التوضيح 1/ 738.

(2) ينظر: شرح الأشموني 1/ 280.

(3) ص:226، 227. وينظر: عمدة القاري 16/ 180، وإرشاد الساري 8/ 153.

(4) جزء من بيت من المنسرح، وتمامه:

.لاَ *** يَأْتِيهُمُ مِنْ وَرَائِنَا نَطَفُ

ويروى بنصب وجر"عورة"-، وهو منسوب لرجل من الأنصار في: الكتاب 1/ 186، والخزانة 6/ 6، 4/ 272، ولقيس بن الخطيم في: ديوانه، ص:115، وأدب الكاتب، ص:250، وشرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 1/ 544، والكافي في الإفصاح 3/ 1021، والاقتضاب، ص:373، ونسب لغيرهما في: إيضاح شواهد الإيضاح 1/ 167، والدرر اللوامع 1/ 23، وبلا نسبة في: معاني القرآن/ للأخفش 1/ 85، والبسيط/ لابن أبي الربيع 2/ 1006، ورصف المباني، ص:341، برواية"وكف"بدلا من"نطف". فالنَّطَف: الذَّنْب، والْوَكَفُ: الإثم، وقيل: العيب. ومعنى البيت: أن قومه يحفظون عورةَ عشيرتهم إذا انهزموا، ويَحمونها من عدوِّهم، ولا يخذلونهم؛ فيكونوا مذنبين في فعلهم. ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:150.

ووجه الاستشهاد به -على رواية نصب"عورة"- هو: حذف النون من"الحافظين"استخافا لطول الاسم، ونصب ما بعده على نيّة إثبات النون. وعلى رواية جر"عورة"يكون حذف النون من"الحافظين"للإضافة. ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت