فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 1015

أَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ: «وَمِنَ الْغَدِ» فَقِيلَ: إِنَّ"مِنْ"فِيهِ إِمَّا بِمَعْنَى:"فِي"، أَيْ: فِي الْغَدِ، وَإِمَّا أَنَّهَا تَبْعِيضِيَّةٌ [1] .

يُضَافُ إِلَى مَا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ عَدَمَ دُخُولِ"مُذْ"عَلَى الأَمْكِنَةِ أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا عَدَمُ دُخُولِ"مِنْ"عَلَى الأَزْمِنَةِ -كَمَا يَرَى أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ- فَرَأْيٌ مُخَالِفٌ لِلنَّقْلِ الصَّحِيحِ، وَالاِسْتِعْمَالِ الْفَصِيحِ كَمَا صَرَّحَ ابْنُ مَالِكٍ [2]

وَأَمَّا سِيبَوَيْهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَى جَوَازَ (مَجِيءِ"مِنْ"لاِبْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ) وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: « ... مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ:

*مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإِلَى إِتْلاَئِهَا* [3]

نَصَبَ؛ لأَنَّهُ أَرَادَ"زَمَانًا"، وَالشَّوْلُ لاَ يَكُونُ زَمَانًا وَلاَ مَكَانًا، فَيَجُوزُ فِيهَا الْجَرُّ، كَقَوْلِكَ:"مِنْ لَدُ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى وَقْتِ كَذَا"، وَكَقَوْلِكَ:"مِنْ لَدُ الْحَائِطِ إِلَى مَكَانِ كَذَا"، فَلَمَّا أَرَادَ الزَّمَانَ حَمَلَ الشَّوْلَ عَلَى شَيْءٍ يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ زَمَانًا، إِذَا عَمِلَ فِي الشَّوْلِ، وَلَمْ يَحْسُنْ إِلاَّ ذَا، كَمَا لَمْ يَحْسُنِ ابْتِدَاءُ الأَسْمَاءِ بَعْدَ"إنْ"، حَتَّى أَضْمَرْتَ مَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا عَامِلًا فِي الأَسْمَاءِ، فَكَذَلِكَ هَذَا، كَأَنَّكَ قُلْتَ: مِنْ لَدُ أَنْ كَانَتْ شَوْلًا، فَإِلَى إِتْلاَئِهَا» [4] .

ثَانِيًا: أَنَّ الرَّاجِحَ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- جَوَازُ مَجِيءِ"مِنْ"لاِبْتِدَاءِ الْغَايَةِ الزَّمَانِيَّةِ؛ لِمَا يَأْتِي [5] :

1 -كَثْرَةُ الأَدِلَّةِ الَّتِي تُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى، قَالَ أَبُو حَيَّانٍ: «وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ نَثْرِهَا وَنَظْمِهَا ... وَتَأْوِيلُ كَثْرَةِ وُجُودِهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ» [6] .

2 -أَنَّ تَقْدِيرَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ -كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَانِعُونَ- يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَلْسُلُ، فَلَوْ قُدِّرَ -مَثَلًا-: مِنْ تَأْسِيسِ أَوَّلِ يَوْمٍ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (( (( (( (( ((

(1) ينظر: عمدة القاري 6/ 238، وإرشاد الساري 2/ 608.

(2) ينظر: شواهد التوضيح ص:130.

(3) البيت من الرجز، وهو من الأبيات التي لم يعرف قائلها، وهو في: أمالي ابن الشجري 1/ 338. والشول: التي ارتفعت ألبانها، وجفت ضروعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر، واحدها شائلة.

(4) الكتاب 1/ 264، 265. وينظر: شرح التسهيل 3/ 130، 131.

(5) ينظر: المقاصد الشافية/ للشاطبي 2/ 180، وتأثير الكوفيين في نحاة الأندلس/ للدكتور محمد بن عمار درين، ص:576.

(6) ارتشاف الضرب 2/ 441.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت