لَيْسَ شَيْئًا مُمْتَدًّا؛ إِذْ يُقَالُ:"خَرَجْتُ مِنَ الدَّارِ"، إِذَا انْفَصَلْتَ مِنْهَا، وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ خُطْوَةٍ، وَلَيْسَ التَّأْسِيسُ وَالنِّدَاءُ حَدَثَيْنِ مُمْتَدَّيْنِ، وَلاَ أَصْلَيْنِ لِلْمَعْنَى الْمُمْتَدِّ، بَلْ هُمَا حَدَثَانِ وَاقِعَانِ فِيمَا بَعْدَ"مِنْ"، وَهَذَا مَعْنَى"فِي"؛ فَـ"مِنْ"فِي الآيَتَيْنِ بِمَعْنَى"فِي"؛ وَذَلِكَ لأَنَّ"مِنْ"فِي الظُّرُوفِ كَثِيرًا مَا تَقَعُ بِمَعْنَى"فِي"، نَحْوِ:"جِئْتُ مِنْ قَبْلِ زَيْدٍ، وَمِنْ بَعْدِهِ"، وَ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [1] ، وَ"كُنْتُ مِنْ قُدَّامِكَ"وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الظُّرُوفِ الْمَبْنِيَّةِ، وَإِقَامَةُ بَعْضِ حُرُوفِ الْجَرِّ مُقَامَ بَعْضٍ غَيْرُ عَزِيزَةٍ، وَكَذَا الإِقْوَاءُ، لَمْ يَبْتَدِئْ مِنَ الْحِجَجِ، بَلِ الْمَعْنَى: مِنْ أَجْلِ مُرُورِ حِجَجٍ وَشَهْرٍ» [2] .
هَذَا، وَقَدْ رَجَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ رَأْيَ الْكُوفِيِّينَ [3] ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي (أَلْفِيَّتِهِ) [4] :
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الأَمْكِنَهِْ***بِـ"مِنْ"وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الأَزْمِنَهْ
وَقَالَ الرَّضِيُّ: « ... وَالظَّاهِرُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ؛ إِذْ لاَ مَنْعَ مِنْ مِثْلِ قَوْلِكَ:"نِمْتُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ"، وَ:"صُمْتُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ"، وَهُوَ كَثِيرُ الاِسْتِعْمَالِ» [5] .
وَقَدْ وُجِّهَتِ الأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ السَّابِقَةُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ [6] :
فَعَنِ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ ( ... مَنْ يَعْمَلْ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ ... ) يَقُولُ ابْنُ مَالِكٍ: «قُلْتُ: تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ اسْتِعْمَالَ"مِنْ"فِي ابْتِدَاءِ غَايَةِ الزَّمَانِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ مَا خَفِيَ عَلَى أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، فَمَنَعُوهُ تَقْلِيدًا لِسِيبَوَيْهِ ... » [7] وَالْمَرَّاتُ الأَرْبَعُ هِيَ: قَوْلُهُ: (مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ) مَرَّتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ) مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الْحَدِيثِ الثَّانِي ( ... عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا) : «قَوْلُهُ (مِنْهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ"مِنْ"تَكُونُ لاِبْتِدَاءِ الغَايَةِ فِي الزَّمَانِ، كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ رَدَّهُ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ، وَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنْ شَوَاهِدِهِ ... » [8] .
(1) سورة فصلت، من الآية: 5.
(2) شرح الكافية 4/ 267، 268.
والإقواء: اختلاف حركة الروي المطلق بالضم والكسر، وهو من عيوب الشعر. ينظر: الشعر والشعراء 1/ 10.
(3) ينظر: إتحاف الحثيث ص: 83، وشرح التسهيل 3/ 130، ومصابيح المغاني ص:457.
(4) ص:71.
(5) شرح الكافية 4/ 268.
(6) ينظر: شواهد التوضيح ص:129 - 132، وعقود الزبرجد 1/ 66.
(7) شواهد التوضيح، ص:129. وينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 11/ 379.
(8) فتح الباري 1/ 256.