فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 1015

وَإِذَا تَعَارَضَ قِيَاسَانِ، أَحَدُهُمَا قَلِيلٌ، وَالآخَرُ كَثِيرٌ، أُخِذَ بِأَوْسَعِهِمَا رِوَايَةً، وَأَقْوَاهُمَا قِيَاسًا، فَلاَ يُقَالُ:"الْمَالُ لِكْ"، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ قُضَاعَةَ:"الْمَالُ لِهْ"، بَلِ الْوَاجِبُ اسْتِعْمَالُ مَا هُوَ أَقْوَى وَأَشْيَعُ. [1]

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَثَرُ الْقِيَاسِ وَمَا يُخَالِفُهُ فِي اللُّغَةِ:

الْقِيَاسُ مَصْدَرٌ مِنْ مَصَادِرِ اللُّغَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ [2] ، وَالْغَايَةُ مِنْهُ: تَقْوِيمُ الأَلْسِنَةِ، وَتَدْرِيبُهَا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيَّةِ اسْتِعْمَالًا سَلِيمًا، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: «الْغَرَضُ فِيمَا نُدَوِّنُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّوَاوِينِ، وَنُثْبِتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقَوَانِينِ، إِنَّمَا هُوَ لِيَلْحَقَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِأَهْلِهَا، وَيَسْتَوِي مَنْ لَيْسَ بِفَصِيحٍ وَمَنْ هُوَ فَصِيحٌ، فَإِذَا وَرَدَ السَّمَاعُ بِشَيْءٍ لَمْ يَبْقَ غَرَضٌ مَطْلُوبٌ، وَعُدِلَ عَنِ الْقِيَاسِ إِلَى السَّمَاعِ» [3] .

وَنَظَرًا لِلْهَدَفِ وَالْغَايَةِ مِنَ الْقِيَاسِ فَإِنَّ لَهُ أَثَرًا وَاضِحًا فِي نَقَاءِ اللُّغَةِ وَبَقَائِهَا؛ إِذْ يَنْفِي عَنِ الْعَرَبِيَّةِ مَا تَأْنَفُ مِنْهُ الأَلْسِنَةُ الَّتِي تَتَكَلَّمُ بِهَا.

وَيَرْجِعُ الْفَضْلُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَنْهَجِ الَّذِي اتَّبَعَهُ أَغْلَبُ الْقُدَامَى فِي أَقْيِسَتِهِمْ؛ إِذْ كَانُوا يَقِيسُونَ عَلَى الأَكْثَرِ الْغَالِبِ، ويَجْعَلُونَ الْقَلِيلَ وَبَعْضَ مَا وَرَدَ كَثِيرًا مَقْصُورًا عَلَى السَّمَاعِ. [4]

وَلِلْقِيَاسِ فَضْلٌ فِي تَوْسِعَةِ اللُّغَةِ؛ إِذْ بِهِ يَتَمَكَّنُ الإِنْسَانُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِآلاَفِ كَلِمٍ وَجُمَلٍ، لَمْ تَقْرَعْ سَمْعَهُ مِنْ قَبْلُ [5] ، وَيُسَاعِدُهُ عَلَى تَوْلِيدِ صِيَغٍ جَدِيدَةٍ مُلاَئِمَةٍ مَعَ تَطَوُّرَاتِ الْحَيَاةِ؛ لأَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يَضَعَ الْوَاضِعُ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظًا لَتَعَذَّرَ جَمْعُ اللُّغَةِ فِي مُجَلَّدَاتٍ، وَلَصَعُبَ عَلَى النَّاسِ حِفْظُهَا، [6] وَلَبَقِيَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَعَانِي غَيْرَ مُعَبَّرٍ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ النَّقْلِ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِحِكْمَةِ الْوَضْعِ، فَالْمَنْقُولُ مِنْ كَلاَمِ الْعَرَبِ مَحْدُودٌ وَمُتَنَاهٍ، وَالْمَعَانِي غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. [7]

(1) ينظر: لمع الأدلة، ص:138، والاقتراح في علم أصول النحو، ص:186، 187.

(2) ينظر عن مصادر اللغة: الاقتراح في علم أصول النحو، ص:48، واللغة والنحو/ لعباس حسن، ص:20 - 22.

(3) المنصف 1/ 279.

(4) ينظر: دراسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:11.

(5) ينظر: السابق نفسه.

(6) ينظر: القياس في اللغة العربية/ لمحمد الخضر حسين، ص:24.

(7) ينظر: لمع الأدلة، ص:99، و الاقتراح في علم أصول النحو، ص:95، والقياس في اللغة العربية/ لمحمد الخضر حسين، ص:23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت