وَعَلَى شُذُوذِ قَوْلِهِمْ:"أَرْجَى مِنْ"، قَالَ السُّيُوطِيُّ -مُعْرِبًا الْحَدِيثَ: «يَا بِلاَلُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ ... » : « ... (أَرْجَى) مِنْ أَسْمَاءِ التَّفْضِيلِ الَّتِي بُنِيَتْ لِلْمَفْعُولِ، نَحْوُ قَوْلِكَ:"فُلاَنٌ أَشْهَرُ مِنْ فُلاَنٍ"، فَإِنَّ قِيَاسَ"أَفْعَلَ"أَنْ لاَ يُبْنَى لِلْمَفْعُولِ، وَقَدْ بُنِيَتْ لَهُ، فَإِنَّهُ الْعَمَلُ مَرْجُوٌّ بِهِ الثَّوَابُ وَعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِضَافَتُهُ إِلَى الْعَمَلِ؛ لأَنَّهُ هُوُ السَّبَبُ الدَّاعِي لِلرَّاجِي، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: حَدِّثْنِي بِمَا أَنْتَ أَرْجَى مِنْ نَفْسِكَ بِهِ مِنْ أَعْمَالِكَ» [1] .
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ"خَيْرًا وَشَرًّا"، وَ"أَخْيَرَ وَأَشَرَّ"وَجْهَانِ قَدِ اسْتُعْمِلاَ لِلتَّفْضِيلِ، لَكِنَّ الأَوَّلَيْنِ شَاذَّانِ فِي الْقِيَاسِ؛ لِحَذْفِ الْهَمْزَةِ مِنْ بِنَاءِ"أَفْعَلَ"، وُمَطَّرِدَانِ فِي الاِسْتِعْمَالِ.
وَأَمَّا الأَخِيرَانِ فَمُطَّرِدَانِ فِي الْقِيَاسِ، شَاذَّانِ أَوْ قَلِيلاَنِ فِي الاِسْتِعْمَالِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ"خَيْرًا وَشَرًّا"- عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمَا الْقِيَاسَ- أَفْصَحُ؛ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمَا. [2]
ثَانِيًا: أَنَّ لِلنُّحَاةِ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ"أَخْيَرَ، وَأَشَرَّ"ثَلاَثَةَ مَذَاهِبَ:
الْمَذْهَبُ الأَوَّلُ: يَرَى بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنَّ"أَخْيَرَ وَأَشَرَّ"أَصْلاَنِ قِيَاسِيَّانِ فِي"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ، وَلَكِنَّهُمَا مَرْفُوضَانِ، فَلاَ يُسْتَعْمَلاَنِ إِلاَّ فِي الضَّرُورَةِ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْبَعْضُ الآخَرُ إِلَى أَنَّ"أَخْيَرَ وَأَشَرَّ"أَصْلاَنِ قَلِيلاَنِ، يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ.
وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ"أَخْيَرَ وأَشَرَّ"، ثُمَّ وَصَفُوهُمَا بِالرَّدَاءَةِ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ"خَيْرًا وَشَرًّا"، وَ"أَخْيَرَ وَأَشَرَّ"لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَنَسَبَ الْفَيُّومِيُّ لُغَةَ"أَخْيَرَ وَأَشَرَّ"لِبَنِي عَامِرٍ.
فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ"أَخْيَرَ، وَأَشَرَّ"بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَة فِيهِمَا لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، وَبِالْعُثُورِ عَلَيْهِمَا فِي بَعْضِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ يَنْتَقِضُ قَوْلُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُمَا لاَ يُسْتَعْمَلاَنِ
(1) عقود الزبرجد 2/ 311. وينظر: التنقيح 1/ 289.
(2) ينظر: الموارد العذبة الصافية في شرح نظم الشافية، ص:97، ومسائل التصريف عند السمين الحلبي-رسالة ماجستير، بإعداد عبد الواحد الحربي 1/ 237.