فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1015

رَجَّحَ بَعْضُهُمْ رَأْيَ ابْنِ عُصْفُورٍ بِأَنَّ زِيَادَةَ الْبَاءِ فِي الْمُبْتَدَإِ أَوْسَعُ مِنْ إِغْرَاءِ الْغَائِبِ، وَمِنْ إِغْرَاءِ الْمُخَاطَبِ [1] .

وَعَنْ تِلْكَ التَّوْجِيهَاتِ يَقُولُ الزَّرْكَشِيُّ: « (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) قِيلَ: إِنَّهُ إِغْرَاءٌ مِنَ الْغَائِبِ، وَسَهَّلَهُ تَقْدِيمُ الْمُغْرَى بِهِ، فِي قَوْلِهِ: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ) ، فَأَشْبَهَ إِغْرَاءَ الْحَاضِرِ.

وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمُبْتَدَإِ، وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ، لاَ الأَمْرُ، أَيْ: وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ.

وَقِيلَ: هُوَ مِنْ إِغْرَاءِ الْمُخَاطَبِ، وَالْمَعْنَى: دُلُّوهُ عَلَى الصَّوْمِ، أَيْ: أَشِيرُوا عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» [2] .

وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْجِيهَاتِ، فَلاَ شُذُوذَ فِي الْحَدِيثِ، إِلاَّ عَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ، وَقَدْ خَفَّفَهُ تَقَدُّمُ الْمُغْرَى بِهِ مُخَاطَبًا.

يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ جُمْهُورَ الْبَصْرِيِّينَ يَقْصُرُونَ الإِغْرَاءَ عَلَى السَّمَاعِ، وَعَلَى الْمُخَاطَبِ؛ فَلاَ يُجِيزُونَ الإِغْرَاءَ لِلْمُتَكَلِّمِ وَالْغَائِبِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ الْعَرَبِ، فِي نَظَرِهِمْ.

وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَيُجِيزُونَ إِغْرَاءَ الْغَائِبِ؛ قِيَاسًا عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَعَلَى مَا سُمِعَ مِنْ إِغْرَاءِ الْمُخَاطَبِ، إِلاَّ مَا كَانَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، نَحْوُ:"بِكَ".

وَالرَّاجِحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ الإِغْرَاءَ إِذَا كَانَ بِاسْمِ الْفِعْلِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الظَّرْفِ أَوِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، فَإِنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَجِيهٌ؛ لأَنَّ وَضْعَ الظُّرُوفِ وَالْمَجْرُورَاتِ مَوْضِعَ أَفْعَالِ الأَمْرِ لاَ يُسَوِّغُ جَوَازَ تَصَرُّفِهَا تَصَرُّفَ الأَفْعَالِ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِغْرَاءُ بِاسْمٍ ظَاهِرٍ، مَحْذُوفِ الْعَامِلِ، نَحْوِ:"أَخَاكَ أَخَاكَ"، فَلَيْسَ نَفْيُ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَجِيهًا؛ لِكَثْرَةِ الأَشْيَاءِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي تُغْرَى بِهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلَمْ تَنْطِقِ الْعَرَبُ بِجَمِيعِهَا، فَلاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ لِرَاكِبِ طَائِرَةٍ: الطَّوْقَ الطَّوْقَ لِلنَّجَاةِ، .... إِلَخْ، وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ الْعَرَبِ.

ثَانِيًا: أَنَّ قَوْلَهُ (: «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» فِيهِ أَوْجُهٌ تَعْصِمُهُ مِنَ الشُّذُوذِ، هِيَ:

-أَنَّ الإِغْرَاءَ فِيهِ جَائِزٌ؛ قِيَاسًا عَلَى إِغْرَاءِ الْحَاضِرِ، أَوْ عَلَى أَمْرِ الْغَائِبِ وَنَهْيِهِ.

-أَنَّ الْكَلاَمَ كُلَّهُ لِلْحُضُورِ مِنَ الشَّبَابِ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ ضَمِيرُ الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ: (عَلَيْهِ) لِمَنْ خَصَّهُ مِنَ الْحَاضِرِينَ بِعَدَمِ الاِستِطَاعَةِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بِدَلِيلِ لَفْظَةِ"مَنْ".

-أَنْ يَكُونَ (عَلَيْهِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَ (بِالصَّوْمِ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ.

(1) ينظر: إرشاد الساري 4/ 457.

(2) التنقيح 1/ 441. وينظر: مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:508.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت