وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) فَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ وَالشُّرَّاحُ فِي تَوْجِيهِهِ [1] :
-ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الشَّاذِّ فِي بَابِ الإِغْرَاءِ [2] ؛ لأَنَّهُ مِنْ إِغْرَاءِ الْغَائِبِ، وَلَكِنْ سَهَّلَهُ تَقَدُّمُ الْمُغَرَى بِهِ مُخَاطَبًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ) فَكَانَ كَإِغْرَاءِ الْمُخَاطَبِ [3] ؛ «لأَنَّ مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ يُسْتَدَلُّ بِأَمْرِهِ لِلْغَائِبِ، عَلَى أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهِ» [4] .
-وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ فِيهِ إِغْرَاءَ الْغَائِبِ، وَهُوَ جَائِزٌ؛ قِيَاسًا عَلَى إِغْرَاءِ الْحَاضِرِ، أَوْ عَلَى أَمْرِ الْغَائِبِ وَنَهْيِهِ. [5]
-وَيَرَى آخَرُونَ أَنَّ الْكَلاَمَ وَالْخِطَابَ كُلَّهُ لِلْحُضُورِ مِنَ الشَّبَابِ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (عَلَيْهِ) لَيْسَ لِلْغَائِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَصَّهُ مِنَ الْحَاضِرِينَ بِعَدَمِ الاِستِطَاعَةِ؛ إِذْ لاَ يَصِحُّ خِطَابُهُ بِالْكَافِ -وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا- لأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بِدَلِيلِ لَفْظَةِ"مَنْ"، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَكَلاَمِ الْعَرَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [6] إِلَى قَوْلِهِ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } ، فَالضَّمَائِرُ فِي(عُفِيَ) ، وَ (لَهُ) ، وَ (أَخِيهِ) لِلْحَاضِرِ، لاَ لِلْغَائِبِ.
وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ: أَشِيرُوا عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، عَلَى مَعْنَى: دُلُّوهُ عَلَى الصَّوْمِ، ثُمَّ حُذِفَ فِعْلُ الأَمْرِ، وَجُعِلَ (عَلَيْهِ) عِوَضًا مِنْهُ، وَتَوَلَّى مِنَ الْعَمَلِ مَا كَانَ الْفِعْلُ يَتَوَلاَّهُ، وَاسْتَتَرَ فِيهِ ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِ الَّذِي كَانَ مُتَّصِلًا بِالْفِعْلِ. [7]
-ذَهَبَ ابْنُ عُصْفُورٍ إِلَى أَنَّ الْكَلاَمَ خَبَرٌ لاَ أَمْرٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: (عَلَيْهِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَ (بِالصَّوْمِ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ. [8]
(1) عقود الزبرجد 1/ 236 - 238.
(2) ينظر: إكمال المعلم 4/ 524، والمساعد 2/ 655، و مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:508، وشرح الألفية/ للمكناسي 2/ 238، وحاشية الصبان مع الأشموني 3/ 192.
(3) ينظر: إرشاد الساري 4/ 457، ومنحة الباري 4/ 347.
(4) أسرار العربية، ص:164.
(5) ينظر: إكمال المعلم 4/ 524 - 527، والمفهم 4/ 83 - 85.
(6) سورة البقرة، من الآية: 178.
(7) ينظر: شرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 1008، وإرشاد الساري 4/ 457، ومنحة الباري 4/ 348.
(8) ينظر: المقرب/ لابن عصفور، ص:150، ومصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:508، وإرشاد الساري 4/ 457، وحاشية الصبان مع الأشموني 3/ 201، ومنحة الباري 4/ 348.