قُلْتُ: خَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ"الْيُمْنَى"خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، لاَ صِفَةً لِـ"عَيْنِِهِ"، وَكَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ:"أَعْوَرُ عَيْنِهِ"، قِيلَ: أَيُّ عَيْنَيْهِ؟ فَقِيلَ:"الْيُمْنَى"، أَيْ: هِيَ الْيُمْنَى» [1] .
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى) كَذَا هُوَ بِالإِضَافَةِ، وَ (عَيْنِهِ) بِالْجَرِّ لِلأَكْثَرِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ: عَيْنِ صَفْحَةِ وَجْهِهِ الْيُمْنَي.
وَرَوَاهُ الأَصِيلِيُّ: (عَيْنُهُ) بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى وَصْفِهِ: (إِنَّهُ أَعْوَرُ) ، وَابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ صِفَةِ عَيْنِهِ، فَقَالَ: (عَيْنُهُ كَأَنَّهَا كَذَا) وَأَبْرَزَ الضَّمِيرَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ:"عَيْنُهُ كَأَنَّ عَيْنَهُ"، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: (أَعْوَرُ) الرَّاجِعِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالصِّفَةِ، كَمَا تُرْفَعُ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ؛ لأَنَّ (أَعْوَرَ) لاَ يَكُونُ نَعْتًا إِلاَّ لِمُذَكَّرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: (عَيْنُهُ) مُرْتَفِعَةً بِالاِبْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهَا الْخَبَرُ» [2] .
بَعْدِ دِرَاسَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ مِنَ النُّحَاةِ مَنْ يُقَسِّمُ صُوَرَ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ مَعَ مَعْمُولِهَا قِسْمَيْنِ: حَسَنٍ، وَقَبِيحٍ، وَضَابِطُهُمْ فِي هَذَا [3] :
-أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ ذُكِرَ فِيهَا الضَّمِيرُ غَيْرَ مُكَرَّرٍ، هِيَ حَسَنَةٌ.
-وَمَا تَكَرَّرَ فِيهَا الضَّمِيرُ، أَوْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا، هِيَ قَبِيحَةٌ.
-وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ قِسْمًا ثَالِثًا، وَهُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، وَهُوَ: مَا تَكَرَّرَ فِيهَا الضَّمِيرُ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ امْتِنَاعُهُ. [4]
(1) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:970.
(2) فتح الباري 6/ 563.
(3) ينظر: الارتشاف 5/ 2353، وشرح الألفية/ للمكناسي 2/ 163، 164.
(4) ينظر: توضيح المقاصد 3/ 53، وشرح الأشموني 3/ 9.