3 -ابْتِكَارُ اللَّفْظِ أَوِ الاِرْتِجَالُ: وَهُوَ إِيجَادُ لَفْظٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ عَمَلِيَّةٌ تَتِمُّ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَالاِرْتِجَالِ، وَالنَّحْتِ، وَالتَّعْرِيبِ، ... إِلَخْ.
ظَاهِرَةُ الاِرْتِجَالِ: وَهِيَ إِيجَادُ أَلْفَاظٍ لَمْ تُسْمَعْ مِنْ قَبْلُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ مَقْبُولًا إِذَا صَدَرَ مِنْ فَصِيحٍ، لاَ يُشَكُّ فِي فَصَاحَتِهِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ جِنِّي: «فَإِنَّ الأَعْرَابِيَّ إِذَا قَوِيَتْ فَصَاحَتُهُ، وَسَمَتْ طَبِيعَتُهُ، تَصَرَّفَ، وَارْتَجَلَ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ بِهِ؛ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ رُؤْبَةَ [1] وَأَبِيهِ [2] أَنَّهُمَا كَانَا يَرْتَجِلاَنِ أَلْفَاظًا لَمْ يَسْمَعَاهَا، وَلاَ سُبِقَا إِلَيْهَا» [3] .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الاِرْتِجَالَ حَقِيقَةٌ مِنْ حَقَائِقِ إِثْرَاءِ اللُّغَةِ وَإِغْنَائِهَا، مَارَسَهَا بَعْضُ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَعَلَى رَأْسِهِمُ النَّبِيُّ (. [4]
فَالرَّسُولُ (كَانَ ذَا قُدْرَةٍ عَجِيبَةٍ عَلَى «الْوَضْعِ، وَالتَّشْقِيقِ مِنَ الأَلْفَاظِ، وَانْتِزَاعِ الْمَذَاهِبِ الْبَيَانِيَّةِ، حَتَّى اقْتَضَبَ أَلْفَاظًا كَثِيرَةً لَمْ تُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَهُ، وَلَمْ تُوجَدْ فِي مُتَقَدَّمِ كَلاَمِهَا، وَهِيَ تُعَدُّ مِنْ حَسَنَاتِ الْبَيَانِ، لَمْ يَتَّفِقْ لأَحَدٍ مِثْلُهَا فِي حُسْنِ بَلاَغَتِهَا، وَقُوَّةِ دَلاَلَتِهَا، وَغَرَابَةِ الْقَرِيحَةِ اللُّغَوِيَّةِ فِي تَأْلِيفِهَا وَتَنْضِيدِهَا، وَكُلُّهَا قَدْ صَارَ مَثَلًا، وَأَصْبَحَ مِيرَاثًا خَالِدًا، فِي الْبَيَانِ الْعَرَبِيِّ» [5] .
وَقَدْ أَحْسَنَ صُنْعًا الْمُؤَلِّفُونَ فِي (غَرِيبِ الْحَدِيثِ) ، عِنْدَمَا مَيَّزُوا بَعْضَ هَذِهِ الأَلْفَاظِ بِقَوْلِهِمْ: «لَمْ يَرِدْ إِلاَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ» .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الاِبْتِكَارِ مَا يَأْتِي فِي ظَاهِرَتَيِ النَّحْتِ وَالتَّعْرِيبِ.
ظَاهِرَةُ النَّحْتِ: تَحْتَلُّ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ صَدَارَةَ"الأَلْفَاظِ الإِسْلاَمِيَّةِ" [6] ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا:"الْهَيْلَلَةُ"مِنْ:"لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ"، وَ"الْحَوْقَلَةُ"مِنْ:"لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ"، وَ"الْحَمْدَلَةُ"مِنْ:"الْحَمْدُ للهِ"، وَ"السَّبْحَلَةُ"مِنْ:"سُبْحَانَ اللهِ"، وَ"الْبَسْمَلَةُ"مِنْ:"بِسْمِ اللهِ".
(1) رؤبة هو: ابن العجاج، أبو محمد، أو أبو العجاج، راجز مشهور، من الطبقة التاسعة من فحول الشعراء، ومن فصحاء العرب الذين أخذت عنهم اللغة، توفي سنة (145 هـ) في موضع بين البصرة والمدينة. ينظر: طبقات فحول الشعراء/ لابن سلاّم الجمحي 2/ 761، والشعر والشعراء/ لابن قتيبة 2/ 594.
(2) هو العجاج: واسمه عبد الله بن رؤبة، أبو الشعثاء، البصري التميمي السعدي، من بني مالك بن سعد، لقي أبا هريرة وسمع منه أحاديث. ينظر: طبقات فحول الشعراء 2/ 738، والشعر والشعراء 2/ 591.
(3) الخصائص 2/ 25.
(4) ينظر: الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:136.
(5) تاريخ آداب العرب/ للرافعي 2/ 315.
(6) ينظر: الحديث وأثرة في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:159.