فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 1015

هَذَا يَقُولُ: «الْمَاءُ، أَصْلُهُ"مَوَهٌ"، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا؛ لِتَحَرُّكِهَا، وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا؛ فَاجْتَمَعَ حَرْفَانِ خَفِيَّانِ؛ فَقُلِبَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً، وَلَمْ تُقْلَبِ الأَلِفُ؛ لأَنَّهَا أُعِلَّتْ مَرَّةً، وَالْعَرَبُ لاَ تَجْمَعُ عَلَى الْحَرْفِ إِعْلاَلَيْنِ؛ وَلِهَذَا يُرَدُّ إِلَى أَصْلِهِ فِي الْجَمْعِ وَالتَّصْغِيرِ، فَيُقَالُ:"مِيَاهٌ، وَمُوَيْهٌ"، وَقَالُوا:"أَمْوَاهٌ"-أَيْضًا- مِثْلُ:"بَابٍ وَأَبْوَابٍ"، وَرُبَّمَا قَالُوا:"أَمْوَاءٌ"، بِالْهَمْزِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ» .

وَيَرَى ابْنُ مَالِكٍ أَنَّ اجْتِمَاعَ إِعْلاَلَيْنِ فِي كَلِمَةِ"مَاءٍ"مِمَّا اغْتُفِرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا، فَقَالَ: «تَوَالِي إِعْلاَلَيْنِ إِجْحَافٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ عَلَى الإِطْلاَقِ، فَاسْتَمَرَّ اجْتِنَابُهُ إِذَا كَانَ الإِعْلاَلُ مُتَّفَقًا، كَمَا يَكُونُ فِي"الْهَوَى".

وَاغْتُفِرَ تَوَالِيهِمَا إِذَا اخْتَلَفَا نَحْوُ:"مَاءٍ"، أَصْلُهُ:"مَوَهٌ"، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ أَلِفًا، وَالْهَاءُ هَمْزَةً، وَهَذَا لاَ يَطَّرِدُ» [1] .

تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ"مَاءً"أَصْلُهُ"مَوَهٌ"، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً، وَالْوَاوُ أَلِفًا، وَهَذَا شَاذٌّ -فِي نَظَرِ الْجُمْهُورِ-؛ لاِجْتِمَاعِ إِعْلاَلَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ إِجْحَافٌ، تَكْرَهُهُ الْعَرَبُ فِي كَلاَمِهِمْ.

وَلِكَنَّ هَذَا الشُّذُوذَ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ فَقَطْ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْفَصَاحَةُ وَالاِسْتِعْمَالُ، فَهُوَ الأَفْصَحُ الْمُسْتَعْمَلُ؛ إِذْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا فِي كَلاَمِهِمْ:"مَوَهًا"عَلَى الأَصْلِ، وَلاَ"مَاهًا"بِإِعْلاَلِ الْعَيْنِ فَحَسْبُ، وَلاَ"مَوَءًا"بِإِعْلاَلِ اللاَّمِ فَقَطْ، وَهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى: الْمَاءِ.

-وَيَرَى الْفَيُّومِيُّ أَنَّ"مَاءً"قِيَاسٌ، لاَ شُذُوذَ فِيهِ؛ وَذَلِكَ أَنًَّ الْعَرَبَ تَكْرَهُ تَوَالِي إِعْلاَلَيْنِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، لاَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.

-وَيَرَى ابْنُ مَالِكٍ أَنَّ اجْتِمَاعَ إِعْلاَلَيْنِ فِي كَلِمَةِ"مَاءٍ"-خَاصَّةً- مِمَّا اغْتُفِرَ؛ لاخْتِلاَفِ الإِعْلاَلَيْنِ فِيهَا.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ: الْمُخَالَفَةُ فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِهَا.

(1) شرح الكافية الشافية 4/ 2131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت