فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 1015

وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْقَوْلَ بِإِمَاتَةِ"وَدَعَ وَدْعًا"؛ لِوُرُودِهِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ [1] ، قَالَ الطَّيْبِيُّ: «قَوْلُهُ: (عَنْ وَدْعِهِمِ الْجُمَعَاتِ) ، أَيْ: عَنْ تَرْكِهِمْ إِيَّاهَا، وَالتَّخَلُّفِ عَنْهَا، يُقَالُ: وَدَعَ الشَّيْءَ يَدَعُهُ وَدْعًا: إِذَا تَرَكَهُ. وَالنُّحَاةُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَاضِيَ"يَدَعُ"وَمَصْدَرَهُ، اسْتَغْنُوا عَنْهُ بِـ"تَرَكَ"، وَالنَّبِيُّ (أَفْصَحُ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى قِلَّةِ اسْتِعْمَالِهِ، فَهُوَ شَاذٌّ فِي الاِسْتِعْمَالِ، صَحِيحٌ فِي الْقِيَاسِ."تو": وَلاَ عِبْرَةَ بِمَا قَالَتِ النُّحَاةُ؛ فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ (هُوَ الْحَجَّةُ الْقَاضِيَةُ عَلَى كُلِّ ذِي لَهْجَةٍ وَفَصَاحَةٍ» [2] .

وَلِلصَّفَّارِ رَأْيٌ خَالَفَ فِيهِ الْجُمْهُورَ؛ إِذْ رَأَى أَنَّ"وَدَعَ"فِي الْقِرَاءَةِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا مُخَفَّفٌ مِنْ"وَدَّعَ"بِالتَّشْدِيدِ؛ وَعَلَيْهِ فَلاَ حُجَّةَ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ"وَدَعَ"قَلِيلٌ، أَوْ مَتْرُوكٌ. [3]

بَعْدَ دِرَاسَةِ هَذَا الْمَطْلَبِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى كَلاَمِ الْعَرَبِ، فَقَدْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ"وَدَعَ، وَوَدْعًا"غَيْرُ مُمَاتَتَيْنِ [4] ، مِنْ ذَلِكَ:

مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ.

وَكَذَلِكَ مَا فِي قِرَاءَةِ: {وَدَعَكَ} بِالتَّخْفِيفِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [5] .

وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ *** أَكْثَرَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدَعُوا [6]

-وَقَوْلِ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ:

لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي *** غَالَهُ فِي الْحُبِّ حَتَّى وَدَعَهُ [7]

-وَإِنْشَادِ الأَصْمُعِيِّ لأَنَسٍ بْنِ زَنِيمٍ:

لَيْتَ شِعْرِي عَنْ أَمِيرِي مَا الَّذِي *** غَالَهُ فِي الْحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ [8]

وَإِنْشَادِ ابْنِ بَرِّي [9] لِسُوَيْدِ بْنِ أَبِي كَاهِلٍ:

(1) ينظر: إرشاد الساري 13/ 74.

(2) شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 3/ 216.

(3) ينظر: شرح الكتاب/ للصفار 2/ 383، 384.

(4) ينظر: المسائل الحلبيات، ص:83، وتهذيب الأسماء واللغات 2/ 190 (الجزء الثاني من القسم الثاني) .

(5) سورة الضحى، الآية: 3.

(6) البيت من المنسرح، وهو بلا نسبة في: اللسان (و دع) 8/ 384.

(7) البيت من الرمل، لأبي الأسود الدؤلي، في: ملحق ديوانه، ص:350، والإنصاف 2/ 23، واللسان (و د ع) 8/ 384، والخزانة 5/ 150.

(8) البيت من الرمل، وهو في: حماسة البحتري، ص:259، والمغرب (و د ع) 2/ 345.

وأنس بن زنيم هو: أنس بن أبي أناس الكناني ابن زنيم ابن محمية بن عبد بن عدي بن الديل بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، من الدؤل، رهط أبي الأسود الدؤلي، وكان أعور، شاعرا مشهورا حاذقا، وقد هجا الرسول (، فهدر دمه، ثم أسلم وعفا عنه. ينظر: الشعر والشعراء 2/ 737، والمؤتلف والمختلف/ للآمدي 1/ 21.

(9) ابن برِّي هو: أبو محمد، عبد الله بن بري بن عبد الجبار المقدسي الأصل، ثم المصري الدار والمنشأ، من كبار علماء اللغة، ومن مصنفاته:"الرد على ابن الخشاب"، و"غلط الضعفاء من الفقهاء"، و"التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح"، توفي سنة (582 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 2/ 110 - 112، ووفيات الأعيان 3/ 108، وإشارة التعيين، ص:161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت