سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ *** عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ [1]
كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ الْمُهْمَلِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ قِيَاسًا، قَالَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِِ: «وَاسْتِعْمَالُ مَا أَهْمَلُوا جَائِزٌ صَوَابٌ، وَهُوَ الأَصْلُ .... وَاسْتِعْمَالُ مَا لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ خَطَأٍ، بَلْ هُوَ فِي الْقِيَاسِ الْوَجْهُ، وَهُوَ فِي الشِّعْرِ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي الْكَلاَمِ؛ لِقِلَّةِ اعْتِيَادِهِ؛ لأَنَّ الشِّعْرَ -أَيْضًا- أَقَلُّ اسْتِعْمَالًا مِنَ الْكَلاَمِ» [2] .
وَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ مِنَ اسْتِعْمَالاَتِ الرُّوَاةِ الْمُوَلَّدِينَ الَّذِينَ لاَ يُحْسِنُونَ الْعَرَبِيَّةَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِوُرُودِ مَا يُعَضِّدُهُ مِنَ الْقِرَاءَاتِ وَالأَشْعَارِ.
ثَانِيًا: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْقَائِلِينَ بِالإِمَاتَةِ، عَلَى أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ: الْقِلَّةَ الَّتِي تُشْبِهُ الْعَدَمَ، أَيْ: إِنَّهُ قَلِيلٌ فِي الاِسْتِعْمَالِ، صَحِيحٌ فِي الْقِيَاسِ [3] ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ-مُبِيِّنًا قَوْلَ النُّحَاةِ:"أَمَاتُوهُ": « ..."أَمَاتُوهُ": لَمْ يُكْثِرُوا اسْتِعْمَالَهُ، وَاسْتَعْمَلُوا أَمْثَالَهُ مِنْ"تَرَكَ وَرَفَضَ، وَالرَّفْضَ وَالتَّرْكَ"وَقَوْلُهُمْ:"أَمَاتُوهُ"يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَكَلَّمَ بِهِ مُتَكَلِّمٌ مِنْهُمْ فَلَيْسَ لِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ بَعْدَهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مِنَ الْمَصْدَرِ وَالْفِعْلِ لاَ يَكَادُ يُوجَدُ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، مَعَ شَكِّ الرَّاوِي فِي لَفْظِ النَّبِيِّ كَيْفَ كَانَ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَوْلُهُ، فَيَكُنْ مِنْهُمُ الاِعْتِرَاضُ» [4] .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: « ... وَهَذَا كُلُّهُ يَرِدُ عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ أَمَاتَتْ مَاضِيَ هَذَا الْفِعْلِ وَمَصْدَرَهُ، وَلاَ يُتَكَلَّمُ بِهِ؛ اسْتِغْنَاءً عَنْ ذَلِكَ بِـ"تَرَكَهُ"، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي كَلاَمِهِمْ، فَقَدْ كَذَّبَهُ النَّقْل الصَّحِيحُ، وَِإنْ أََرَادَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ، وَلَكِنَّهُ قَلِيلٌ، وَشَاذٌّ فِي الاِسْتِعْمَالِ، فَهُوَ الصَّحِيحُ» [5] .
وَلَعَلَّ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لاِبْنِ جِنِّي فَحَكَمَ بِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِ"وَدَعَ"، وَلَمْ يَقُلْ بِالإِمَاتَةِ. [6]
وَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى مَوْتِ"وَدَعَ، وَوَدْعٍ"غَيْرُ دَقِيقٍ؛ لِوُرُودِهِمَا فِي الشَّوَاهِدِ السَّابِقَةِ؛ فَـ « ... لاَ يَجُوزُ الْقَوْلُ بِالإِمَاتَةِ» [7] فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، اللَّهُمَّ إِلاَّ إِذَا أُرِيدُ بِهَا الْقِلَّةُ الَّتِي تُشْبِهُ الْعَدَمَ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) البيت من الرمل، في: الإنصاف 2/ 23، واللسان (و د ع) 8/ 384، ونسب لأنس بن زنيم في: شرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 657، والخزانة 6/ 471.
وسويد بن أبي كاهل هو: من بكر بن وائل، ومن الطبقة السادسة الجاهلية. ينظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 152.
(2) تصحيح الفصيح، ص: 260.
(3) تنظر: النهاية (و د ع) .
(4) إكمال المعلم 8/ 63. وينظر: فتح الباري،10/ 469.
(5) المفهم 6/ 574.
(6) ينظر: الخصائص 1/ 99، والمحتسب 2/ 432، وظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:375.
(7) المصباح المنير (و د ع) .