فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1015

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: الاِحْتِجَاجُ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي الدَّرْسِ النَّحْوِيِّ.

نَظَرًا لِفَصَاحَةِ النَّبِيِّ (وَبَلاَغَتِهِ، وَسَلِيقَةِ أَصْحَابِهِ (، كَانَ الأَوْلَى وَالأَجْدَرُ أَنْ تُعَدَّ أَحَادِيثُهُمُ الْمَصْدَرَ الثَّانِيَ مِنْ مَصَادِرِ النَّحْوِ، بَعْدَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَكِنْ-مَعَ أَسَفٍ شَدِيدٍ- قَدْ سَكَتَ النُّحَاةُ الْقُدَمَاءُ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ؛ مِمَّا جَعَلَ مَوْقِفَهُمْ مِنْهَا غَيْرَ وَاضِحٍ [1] نِسْبِيًّا.

وَقَدْ ظَلَّ الأَمْرُ كَذَلِكَ، إِلَى أَنْ جَاءَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الضَّائِعِ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، فَبَعَثَ الْقَضِيَةَ مِنْ مَرْقَدِهَا [2] ، بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ الْجُمَلِ) [3] : «تَجْوِيزُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى هُوَ السَّبَبُ -عِنْدِي- فِي تَرْكِ الأَئِمَّةِ -كَسِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ- الاِسْتِشْهَادَ عَلَى إِثْبَاتِ اللُّغَةِ بِالْحَدِيثِ، وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى الْقُرْآنِ، وَصَرِيحِ النَّقْلِ عَنِ الْعَرَبِ، وَلَوْلاَ تَصْرِيحُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ، لَكَانَ الأَوْلَى فِي إِثْبَاتِ فَصِيحِ اللَّفْظِ كَلاَمُ النَّبِيِّ (؛ لأَنَّهُ أَفْصَحُ الْعَرَبِ» .

وَبَعْدَ هَذِهِ الْمَقُولَةِ مِنِ ابْنِ الضَّائِعِ ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مَذَاهِبَ شَتَّى: بَيْنَ مَانِعٍ، وَمُجِيزٍ، وَمُتَوَسِّطٍ:

-ذَهَبَ أَكْثُرُ الْقُدَامَى -كَالسُّهَيْلِيِّ [4] ، وَابْنِ مَالِكٍ- إِلَى الْقَوْلِ بِحُجِّيَّةِ الْحَدِيثِ فِي النَّحْوِ، وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْمُعَاصِرِينَ، كَالدَّكْتُورِ مَهْدِي الْمَخْزُومِيِّ، الَّذِي يَقُولُ: «فَتَرْكُ الاِسْتِشْهَادِ بِالأَحَادِيثِ، الَّتِي يَرْوِيهَا هَؤُلاَءِ وَأَمْثَالُهُمْ، خَسَارَةٌ كَبِيرَةٌ، أَنْزَلَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ تَقَعُّرُ النُّحَاةِ، وَتَحَذْلُقُهُمْ،

(1) ينظر: موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف /للدكتورة خديجة الحديثي، ص: 4، 15.

(2) ينظر: الاستشهاد بالحديث في اللغة/ للأستاذ محمد الخضر حسين، مقالة في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، شعبان، سنة 1355 هـ =أكتوبر، سنة 1936 م، المجلد الثالث، ص:199، والحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص: 307، وبناء الجملة في الحديث النبوي الشريف في الصحيحين/ للدكتور عودة خليل أبي عودة، ص:677.

(3) شرح الجمل/ لابن الضائع، نقلا من: كتاب الاقتراح في علم أصول النحو/ للسيوطي، ص:54، وخزانة الأدب/ للبغدادي 1/ 10، وموقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف، ص:16.

وابن الضائع هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن علي بن يوسف، الكتامي الإشبيلي، وهو من شراح"كتاب سيبويه"، توفي سنة ثمانين وست مئة (680 هـ) . ينظر: بغية الوعاة 2/ 204.

(4) السهيلي هو: أبو القاسم، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، من مالقة، عالم بالقراءات، والحديث، واللغة، والنحو، كفّ بصرُه بماء نزل فيه، وسنه سبع عشرة سنة، من مصنفاته:"الروض الأنف"، و"نتائج الفكر"، توفي بمراكش، سنة إحدى وثمانين وخمس مئة (581 هـ) . ينظر: إشارة التعيين، ص:182 - 184، وبغية الوعاة 2/ 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت