تَمْهِيدٌ: قِيَاسِيَّةُ مَصَادِرِ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ.
الْمَصْدَرُ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَقَدْ أَوْصَلَهُ ابْنُ الْقَطَّاعِ فِي (أَبْنِيَةِ الأَسْمَاءِ وَالأَفْعَالِ وَالْمَصَادِرِ) [1] إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ مِئَةِ بِنَاءٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) [2] لاِبْنِ مَالِكٍ.
وَمِمَّا يَدُلُّ -أَيْضًا- عَلَى كَثْرَةِ مَصَادِرِ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ أَنَّ ابْنَ الْقَطَّاعِ -فِي (أَبْنِيَةِ الأَسْمَاءِ وَالأَفْعَالِ وَالْمَصَادِرِ) [3] - أَثْبَتَ لِـ"شَنِئَ"-مَثَلًا- أَرْبَعَةَ عَشْرَ مَصْدَرًا، وَلِـ"لَقِيَ"اثْنَيْ عَشْرَ مَصْدَرًا، ثُمَّ قَالَ: «وَأَمَّا الْمَصْدَرَانِ، وَالثَّلاَثَةُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَالْخَمْسَةُ فَتَجِيءُ كَثِيرًا» . [4]
وَلَعَلَّ مِنْ أَسْبَابِ كَثْرَةِ أَبْنِيَةِ مَصْدَرِ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ: ازْدِحَامَ «الْمَعَانِي الْمُتَغَايِرَةِ عَلَى أَلْفَاظِهِ الْمُفْرَدَةِ، فَأَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَانِي بِالْمَصَادِرِ، فَقَالُوا -مَثَلًا-:"وَجَدَ الضَّالَةَ وِجْدَانًا"، وَفِي الْحُزْنِ:"وَجْدًا"، وَفِي الْغِنَى:"وُجْدًا"، وَفِي الْغَضَبِ:"مَوْجِدَةً"، وَنَظَائِرُهَا تَكْثُرُ» . [5]
وَمِنَ الأَسْبَابِ -أَيْضًا- كَثْرَةُ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ الْمُجَرَّدِ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَصَادِرَ الأَفْعَالِ الثُّلاَثِيَّةِ كَثِيرَةُ الاِخْتِلاَفِ، لاَ تَكَادُ تَجِيءُ عَلَى قِيَاسٍ مُسْتَمِرٍّ؛ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الثُّلاَثِيِّ فِي نَفْسِهِ، فَكُلَّمَا كَثُرَ الشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ كَثُرَ التَّصَرُّفُ فِيهِ» . [6]
هَذَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ التَّصْرِيفِيُّونَ فِي قِيَاسِيَّةِ الْمَصْدَرِ الثُّلاَثِيِّ؛ لِكَثْرَةِ مَا وَرَدَ فِيهِ عَنِ الْعَرَبِ، فَكَانَ مُجْمَلُ خِلاَفِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ [7] :
الْقَوْلُ الأَوَّلُ: أَنَّ الْمَصْدَرَ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ كُلُّهُ سَمَاعِيٌّ، يُحْفَظُ وَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ.
ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو زَيْدٍ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ [8] ، وَابْنُ الْقُوطِيَّةِ [9] ، وَابْنُ جُودِيِّ [10] .
(1) ص:370،377.
(2) ينظر: 3/ 468،469.
(3) ينظر: ص:382.
(4) أبنية الأسماء و الأفعال والمصادر، ص:383.
(5) ترشيح العلل، ص: 228.
(6) التبصرة والتذكرة 2/ 758.
(7) ينظر: مجموعة الشافية 1/ 62,
(8) ينظر رأيه في: الارتشاف 2/ 491.
وأبو زيد هو: أحمد بن سهل البلخي، له عدة مؤلفات، منها"كتاب النحو والتصريف"، توفي سنة اثنيتن وعشرين وثلاث مئة من الهجرة (322 هـ) . ينظر: بغية الوعاة 1/ 311.
(9) ينظر كتابه: الأفعال، ص:2.
وابن القوطية هو: أبو بكر، محمد بن عمر بن عبد العزيز الأندلسي، القرطبي النحوي، كان ديِّنا فاضلا، عالما بالنحو واللغة، من كتبه:"كتاب تصريف الأفعال"، و"كتاب المقصور والممدود"، توفي سنة سبع وستين وثلاث مئة من الهجرة (367 هـ) . ينظر: إنباه الراوة 3/ 178، وإشارة التعيين، ص:328، 329، والبلغة، رقم (340) ، ص:169.
(10) ينظر رأيه في: الارتشاف 2/ 491.
وابن جودي هو: خلف بن فتح بن جودي، القيس اليابُرِّي، مقرئ، نحوي، حافظ للحديث، صنف"شرح مشكل جمل الزجاجي"، توفي سنة (434 هـ) . ينظر: بغية الوعاة 1/ 556.