فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 1015

يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ لَوْ كَانَا عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لأَتَيَا بِلَفْظِ: «إِنْ يَكُنْ إِيَّاه ُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ » ، وَلَفْظِ: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ، فَكَانَ إِيَّاهُ» بِمَجِيءِ الْخَبَرِ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا.

وَلَكِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْقِيَاسِ لَمْ يَرِدْ إِلاَّ فِي قَلِيلٍ مِنْ كَلاَمِ الْعَرَبِ، مِنْهُ الْبَيْتُ الْمَجْهُولُ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) ، وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى لِحَدِيثِ: «إِنْ يَكُنْهُ» وَهِيَ: «إِنْ يَكُنْ هُوَ» .

وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ (إِنْ يَكُنْ هُوَ) مُشْكِلَةٌ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ (إِنْ يَكُنْ إِيَّاهُ) بِضَمِيرِ النَّصْبِ خَبَرًا لِـ (يَكُنْ) .

وَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهَا عَلَى أَحَدِ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ، هِيَ:

الأَوَّلُ: أَنَّ"كَانَ"تَامَّةٌ، وَ"هُوَ"تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي (يَكُنْ) .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ وُضِعَ"هُوَ"مَوْضِعَ"إِيَّاهُ"، أَوْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فِي"يَكُنْهُ" [1] .

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ:"إِنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالُ"، فَيَكُونُ"هُوَ"ضَمِيرَ فَصْلٍ، أَوْ مُبْتَدَأً، وَ"الدَّجَّالُ"خَبَرَهُ، وَالْجُمْلَةُ مِنْهُمَا خَبَرُ"كَانَ" [2] .

وعَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِشْكَالِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْعَيْنِيَّ يُرَجِّحُهَا، فَيَقُولُ: «قَوْلُهُ: (إِنْ يَكُنْهُ) هَذَا الضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ فِي (يَكُنْهُ) هُوَ خَبَرُهَا، وَقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمُنْفَصِلِ، وَاسْمُ (يَكُنْ) مُسْتَتِرٌ فِيهِ، وَيُرْوَى (إِنْ يَكُنْ هُوَ) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ الْمُخْتَارَ فِي خَبَرِ (كَانَ) هُوَ الانْفِصَالُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَفْظُ"هُوَ"تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ الْمُسْتَتِرِ، وَ"كَانَ"تَامَّةٌ، أَوْ وُضِعَ"هُوَ"مَوْضِعَ"إِيَّاهُ"، أَيْ: إِنْ يَكُنْ إِيَّاهُ» [3] .

وَالصَّحِيحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (إِنْ يَكُنْ هُوَ) لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُنَافِسَ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ (إِنْ يَكُنْهُ) الَّتِي لاَ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَهَذَا مَا يَظْهَرُ فِي انْتِصَارِ الدَّمَامِينِيِّ لابْنِ مَالِكٍ عَلَى الزَّرْكَشِيِّ [4] بِقَوْلِهِ: «هَذَا أَعْجَبُ مَا يُسْمَعُ، كَيْفَ تَكُونُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَّةُ مُقْتَضِيَةً لِعَدَمِ الدَّلِيلِ فِي الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَالْغَرَضُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُنْفَصِلَ الْمَرْفُوعَ فِي الثَّانِيَّةِ

(1) ينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 10/ 141.

(2) ينظر: السابق نفسه.

(3) عمدة القاري 8/ 171، 22/ 199

(4) الزركشي هو: بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن بهادر بن عبد الله، التركي الأصل، المصري، ولد سنة (745 هـ) ، أخذ عن الشيخ جمال الدين الأسنوي، والشيخ سراج الدين البلقيني، من مؤلفاته:"البحر المحيط"في أصول الفقه، و"تنقيح ألفاظ الجامع الصحيح". توفي بالقاهرة، سنة (794 هـ) . ينظر: الدرر الكامنة، رقم (3578) 4/ 17، وشذرات الذهب 6/ 335، 336.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت