فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 1015

عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ يَقُولُونَ: لَيْسَنِي، وَكَانَنِي. فَهَذَا نَصٌّ مُؤَكِّدٌ عَلَى أَنَّ الأَفْصَحَ فِي كَلاَمِهِمْ: كَانَ إِيَّاهُ.

هَذَا كَلاَمُهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ، وَلَيْسَ يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِقِلَّةٍ: إِذَا لَمْ تَكُنْهُمْ فَمَنْ ذَا يَكُونُهُمْ، وَإِنْشَادَهُ لأَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ:

فَإِنْ لَمْ يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ *** أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا [1]

لأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ يُقَالُ، لاَ أَنَّهُ مُلْتَزَمٌ أَوْ فَصِيحٌ .... وَزَعَمَ ابْنُ الطَّرَاوَةِ [2] أَنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ الأَفْصَحُ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ (:"كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ، فَكَانَهُ"، قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ -رَحِمَهُ اللهُ-: هَذَا تَكْذِيبٌ لِلْعُلَمَاءِ، وَمَعَ احْتِمَالِ مِثْلِ هَذَا، لاَ تَبْقَى ثِقَةٌ بِجَمِيعِ مَا يَنْقُلُونَ، وَمَعْنَى هَذَا الْغَلَطِ الَّذِي انْبَنَى عَلَيْهِ هَذَا التَّكْذِيبُ يَشْهَدُ أَنَّ قَوْلَهُ:"فَكَانَهُ"مِنْ كَلاَمِ النَّبِيِّ (، وَإِنَّمَا الْمَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ("كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ" [3] . قَالَ الرَّاوِي"فَكَانَهُ". وَهَذَا لاَ يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ مَسْكَةُ نَظَرٍ.

قُلْتُ: لَوْ كَانَ مَرْوِيًّا فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ مِنْ كَلاَمِ النَّبِيِّ (؛ لأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنْ يَجُوزَ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَعَلَيْهِ حُذَّاقُ الْعُلَمَاءِ، فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ عِنْدِي فِي تَرْكِ الأَئِمَةِ، كَسِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ الاسْتِشْهَادَ عَلَى إِثْبَاتِ اللُّغَةِ بِالْحَدِيثِ، وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى الْقُرْآنِ وَصَرِيحِ النَّقْلِ عَنِ الْعَرَبِ، فَلَوْلاَ تَصْرِيحُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ لَكَانَ الأَوْلَى فِي إِثْبَاتِ فَصِيحِ اللُّغَةِ حَدِيثُ النَّبِيِّ (؛ لأَنَّهُ مِنَ الْمَقْطُوعِ أَنَّهُ أَفْصَحُ الْعَرَبِ» [4] .

(1) سبق تخريجه ص: 110 من البحث.

(2) ينظر: الإفصاح، مخطوط، لوحة:3.

وابن الطراوة هو: أبو الحسين، سليمان بن محمد المالقي، سمع عن الأعلم كتاب سيبويه، وروى عنه السهيلي، وغيره، وله كتاب"الترشيح في النحو"، و"المقدمات على كتاب سيبويه"، توفي سنة (528 هـ) . ينظر: إشارة التعيين، ص: 135، وبغية الوعاة 1/ 602.

(3) هكذا الرواية في صحيح مسلم، ويليه: «فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَارِيُّ» . ينظر: كتاب التوبة، باب (9) ح 53 - (2769) 4/ 2122.

قال القاضي: « (قوله: كن أبا خيثمة) أي: أنت أبو خيثمة؛ أو هو أبو خيثمة، ومنه ?كنتم خير أمة? أي: أنتم خير أمة. قال ثعلب: العرب تقول:"كن زيدا"، أي: أنت زيد، وأبو خيثمة اسمه: عبد الله بن خيثمة، وقيل: مالك بن قيس، والأشبه عندي هنا أن تكون"كن"بمعنى التحقيق والوجود، أي: لتوجد تحقيقا أبا خيثمة» إكمال المعلم 8/ 278. وينظر: إكمال الإكمال 7/ 171، ومُكَمِّل إكمال الإكمال 7/ 171.

(4) شرح الجمل/ لابن الضائع، نقلا من كتاب: النحاة والحديث النبوي/ للدكتور حسن موسى الشاعر، ص:46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت