وَلاَ تَنَاقُضَ بَيْنَ قَوْلَيْ ابْنِ مَالِكٍ فِي (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) وَفِي (الأَلْفِيَّةِ) : فَفِي كِلَيْهِمَا يَرَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ اخْتِيَارِيَّةٌ، وَيَرَى فِي (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) -أَيْضًا- أَنَّ الْقَوْلَ بِرُجْحَانِ الانْفِصَالِ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالسَّمَاعِ.
وَمِنَ الْجَدِيرِ باِلذِّكْرِ هُنَا أَنَّ لِسيِبَوَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَيْنِ:
-أَحْيَانًا يَرَى أَنَّ الاتِّصَالَ أَوْجَهُ، فَيَقُولُ: « ... وَتَقُولُ: كُنَّاهُمْ، كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْنَاهُمْ، وَتَقُولُ: إِذَا لَمْ نَكُنْهُمْ فَمَنْ ذَا يَكُونُهُمْ، كَمَا تَقُولُ: إِذَا لَمْ نَضْرِبْهُمْ فَمَنْ يَضْرِبُهُمْ» [1] ، وَقَالَ -أَيْضًا-: «وَبَلَغَنِي عَنِ الْعَرَبِ الْمَوثُوقِ بِهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَنِي، وَكَذَلِكَ كَانَنِي» [2] .
-وَيَرَى سِيبَوَيْهِ أَحْيَانًا أُخْرَى أَنَّ الانْفِصَالَ أَوْلَى، فَيَقُولُ: «وَلَمْ تَسْتَحْكِمْ عَلاَمَاتُ الإِضْمَارِ الَّتِي لاَ تَقَعُ (إِيَّا) مَوَاقِعَهَا، كَمَا اسْتَحْكَمَتْ فِي الْفِعْلِ، لاَ يُقَالُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبِكَنِي، إِنْ بَدَأْتَ بِهِ قَبْلَ الْمُتَكَلِّمِ، وَلاَ: مِنْ ضَرْبِهِيكَ، إِنْ بَدَأْتَ بِالْبَعِيدِ قَبْلَ الْقَرِيبِ، فَلَمَّا قَبُحَ هَذَا عِنْدَهُمْ، وَلَمْ تَسْتَحْكِمْ هَذِهِ الْحُرُوفُ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، صَارَتْ (إِيَّا) عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يَقَعُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ: كَانَ إِيَّاهُ؛ لأَنَّ (كَانَهُ) قَلِيلَةٌ، وَلَمْ تَسْتَحْكِمْ هَذِهِ الْحُرُوفُ هَا هُنَا، لاَ تَقُولُ: كَانَنِي، وَلَيْسَنِي، وَلاَ كَانَكَ، وَصَارَتْ (إِيَّا) هَهُنَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي: ضَرْبِي إِيَّاكَ.
وَتَقُولُ: أَتَوْنِي لَيْسَ إِيَّاكَ، وَلاَ يَكُونُ إِيَّاهُ؛ لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ عَلَى الْكَافِ وَلاَ الْهَاءِ هَا هُنَا، فَصَارَتْ (إِيَّا) بَدَلًا مِنْ الْكَافِ وَالْهَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ» [3] .
فَلَعَلَّ هَذَا الْمَوْقِفَ غَيْرَ الْمُحَدَّدِ مِنْ سِيبَوَيْهِ هُوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلاَفِ النُّحَاةِ فِي: أَيِّهِمَا أَفْصَحُ، الاتِّصَالُ أَوِ الانْفِصَالُ؟، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الضَّائِعِ:» ... فَاعْلَمْ أَنَّ الأَفْصَحَ فِي اللُّغَةِ - عَلَى مَا زَعَمَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ [4] - إِذَا مَا أُضْمِرَ خَبَرُ (كَانَ وَأَخَوَاتِهَا) ، أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا، فَالأَصَحُّ أَنْ تَقُولَ: لَيْسَ إِيَّايَ ... قَالَ سِيبَوَيْهِ:"كَانَهُ"قَلِيلَةٌ فِي كَلاَمِهِمْ، قَالَ: وَبَلَغَنِي
(1) الكتاب 1/ 46.
(2) السابق 2/ 359.
(3) السابق 2/ 358.
(4) الزجَّاجِيُّ هو: أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسحاق، أصله من صيمر، نزل بغداد، ولزم الزجاج حتى برع في النحو؛ فنسب إليه، حدث بدمشق عن نفطويه، والأخفش الصغير، وغيرهما، وروى عنه أحمد بن شرام النحوي، من أشهر مصنفاته:"كتاب الجمل في النحو"، توفي سنة (339 هـ) ، وقيل: غيرها. ينظر: طبقات النحويين واللغويين، ص:119، وإشارة التعيين، ص: 180، 181، وبغية الوعاة 2/ 77.