فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 1015

تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ الْحِجَازِيِّينَ يَفُكُّونَ تَضْعِيفَ الْفِعْلِ الْمُضَاعَفِ السَّاكِنِ الأَخِيرِ غَيْرِ الْمُتَّصِلِ بِشَيْءٍ، فَيَقُولُونَ -مَثَلًا-:"لَمْ يَرْتَدِدْ".

وَغَيْرُ الْحِجَازِيِّينَ يُدْغِمُونَ، فَيَقُولُونَ:"لَمْ يَرْتَدَّ".

وَقَدْ قُرِئَ بِاللُّغَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ... ہ} [1] ، قَالَ الزَّجَّاجُ: «"يَرْتَدِدْ"جُزِمَ بِالشَّرْطِ، وَالتَّضْعِيفُ يَظْهَرُ مَعَ الْجَزْمِ؛ لِسُكُونِ الْحَرْفِ الثَّانِي، وَهُوَ أَكْثَرُ فِي اللُّغَةِ» [2] .

وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ مَا وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ: (فلْيُهِلَّ، لاَ يَحِلَّ، لَمْ يَحُلَّ، أَحِبَّ، لَمْ نَرُدَّهُ، فَأَحِبَّهُ) عَلَى أَنَّهُ عَلَى لُغَةِ غَيْرِ الْحِجَازِيِّينَ؛ لأَنَّ فِيهَا إِدْغَامًا بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ، مَعَ وُجُودِ مَا يُوجِبُ سُكُونَ الآخِرِ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ التَّصْرِيفِيُّونَ مِنْ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ لاَ يُدْغَمَانِ، إِذَا كَانَ الثَّانِي مِنْهُمَا سَاكِنًا، وَقَدْ سُكِّنَ الثَّانِي هُنَا بِالْجَزْمِ أَوْ بِالأَمْرِ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ مَا فِي الْحَدِيثِ «لَمْ نَرُدَُّهُ» -بِرَوَايَتَيْ فَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا- بِأَنَّ رِوَايَةَ الفَتْحِ «لَمْ نَرُدَّهُ» جَاءَتْ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ نَجْدٍ، أَوْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ؛ لأَنَّهُمْ يُحَرِّكُونَ بِالْفَتْحِ مُطْلَقًا؛ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهِيَ -أَيْضًا- لُغَةُ بِنِي أَسَدٍ؛ لأَنَّهُمْ يَفْتَحُونَ -فِي هَذِهِ الْحَالَةِ- إِذَا لَمْ يَلْقَهُ سَاكِنٌ، وَلاَ سُكُونَ هُنَا.

وَمِمَّا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْفَتَحِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَ الآخَرِ، مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ (لِلْحَسَنِ (بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ» بِفَتْحِ الْبَاءِ فِي:"فَأَحِبَّهُ".

وَأَمَّا رِوَايَةُ الضَّمِّ (لَمْ نَرُدُّهُ) فَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُحَرِّكُ الْمُضَاعَفَ الْمُدْغَمَ الْمَجْزُومَ بِحَرَكَةِ الضَّمَائِرِ بَعْدَهُ، وَالضَّمِيرُ -هُنَا- الْهَاءُ الْمَضْمُومَةُ.

وَقَدْ أُنْكِرَتْ رِوَايَةُ الْفَتْحِ (لَمْ نَرُدَّهُ) -مَعَ أَنَّهَا هِيَ الثَّابِتَةُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ- لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ التَّصْرِيفِيِّينَ، وَهُوَ الإِتْبَاعُ لِحَرَكَةِ الضَّمِيرِ.

(1) سورة المائدة، من الآية: 54.

قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (يَرتَدِدْ) على لغة أهل الحجاز، وقرأ بقية الأربعة عشر (يرتدَّ) على لغة تميم. ينظر: معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 1/ 290، والحجة/ لابن خالويه، ص:132، والمبسوط، ص:162، والإقناع، ص:394، وكتاب تحبير التيسير، ص:347، 348، والاتحاف، ص:254، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم 5/ 201 (القسم الثاني- الجزء الثاني) ، ولغة تميم-دراسة تاريخية وصفية، ص: 419، واللهجات العربية في التراث 1/ 297.

(2) معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 1/ 290. وينظر فيه:2/ 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت