وَقَدْ ذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْفَتْحِ مِنْ تَغْلِيطِ الرُّوَاةِ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: « ... قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ [1] -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (لَمْ نَرُدَّهُ) -بِفَتْحِ الدَّالِ-، قَالَ: وَأَنْكَرَهُ مُحَقِّقُو شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: هَذَا غَلَطٌ مِنَ الرُّوَاةِ، وَصَوَابُهُ ضَمُّ الدَّالِ. قَالَ: وَوَجَدْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ الأَشْيَاخِ بِضَمِّ الدَّالِ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُمْ، عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْمُضَاعَفِ، إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْهَاءُ، أَنْ يُضَمَّ مَا قَبْلَهَا، فِي الأَمْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَجْزُومِ؛ مُرَاعَاةً لِلْوَاوِ الَّتِي تُوجِبُهَا ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا؛ لِخَفَاءِ الْهَاءِ، فَكَأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَلِيَ الْوَاوَ، وَلاَ يَكُونُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ إِلاَّ مَضْمُومًا، هَذَا فِي الْمُذَكَّرِ، وَأَمَّا الْمُؤَنَّثُ، مِثْلُ"رُدَّهَا، وَجُبَّهَا"فَمَفْتُوحُ الدَّالِ، وَنَظَائِرِهَا؛ مُرَاعَاةً لِلأَلِفِ. هَذَا آخِرُ كَلاَمِ الْقَاضِي» [2] .
هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثَانِ السَّابِقَانِ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ (لَمْ نَرْدُدْهُ) (فَأَحْبِبْهُ) بِالْفَكِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: « ... وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَشْمِيهَنِيِّ بِفَكِّ الإِدْغَامِ (لَمْ نَرْدُدْهُ) -بِضَمِّ الأُولَى، وَسُكوُنِ الثَّانِيَةِ- وَلاَ إِشْكَالَ فِيهِ» [3] .
وَقَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « (فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَلأَبِي ذَرٍّ (فَأَحْبِبْهُ) بِسُكُونِ الْحَاءِ، وَكَسِْر الْمُوَحَّدَةِ الأُولىَ، وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ، مِنَ"الإِحْبَابِ"، أَيِ: اجْعَلْهُ مَحْبُوبًا» [4] .
وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ مَالِكٍ اللُّغَتَيْنِ مَعًا (الْفَكِّ وَالإِدْغَامِ) ، وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَى إِحْدَاهُمَا بِالشُّذُوذِ، فَقَالَ: « ... لَكَ فِي نَحْوِ"يَحِلُّ"إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ جَازِمٌ الْفَكُّ، فَتَقُولُ:"لَمْ يَحْلَلْ"، وَالإِدْغَامُ، نَحْوُ"لَمْ يَحِلَّ".
وَكَذَلِكَ الأَمْرُ مِنْهُ، نَحْوُ"احْلَلْ، وَحَلَّ"» [5] .
ثَانِيًا: أَنَّ هُنَاكَ عِدَّةَ لَهَجَاتٍ فِي حَالِ اتِّصَالِ الْفِعْلِ الْمُضَاعَفِ بِالضَّمِيرِ"نَا"أَوِ التَّاءِ:
(1) قوله في: مشارق الأنوار 2/ 290.
(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 8/ 342. وينظر: فتح الباري 4/ 41، وعمدة القاري 10/ 176.
(3) فتح الباري 4/ 41.
(4) إرشاد الساري 12/ 583.
(5) شرح الكافية الشافية 4/ 2190.