لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ إِذْ أَثْرَى أَصْوَاتَهَا وَأَلْفَاظَهَا، وَأَغْنَى تَرَاكِيبَهَا وَأَسَالِيبَهَا، وَأَمَدَّ أَدَبَهَا وَبَيَانَهَا، وَوَثَّقَ قَوَاعِدَهَا، وَحَفِظَ لَهَجَاتِهَا: صَوْتِيَّةً، وَتَصْرِيفِيَّةً، وَمُعْجَمِيَّةً، وَتَرْكِيبِيَّةً [1] ، وَيُمْكِنُ بَيَانُ بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَطَالِبِ التَّالِيَةِ:
الْمَطْلَبُ الأَوَّلُ: أَثَرُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي إِثْرَاءِ اللُّغَةِ مُفْرَدَةً:
أَثْرَى الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ، عَنْ طَرِيقِ نَقْلِ اللَّفْظِ مِنْ مَعْنًى لآخَرَ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالْمَجَازِ، أَوْ وَضْعِ اللَّفْظِ وَضْعًا جَدِيدًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالاِرْتِجَالِ، وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ النَّحْتُ، وَالتَّعْرِيبُ، وَاسْتِبْدَالُ الأَلْفَاظِ [2] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنَابِعِ الإِثْرَاءِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ بَعْضِهَا:
1 -نَقْلُ اللَّفْظِ مِنْ مَعْنًى لآخَرَ: قَدْ يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ بِمَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ، حَتَّى إِذَا مَا أُطْلِقَ لاَ يَنْصَرِفُ الذِّهْنُ إِلاَّ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا رَاجِحًا. [3]
وَقَدْ أَكَّدَ الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ؛ إِذْ فَسَّرَ النَّبِيُّ (كَثِيرًا مِنَ الأَلْفَاظِ بِغَيْرِ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ الْمَعْهُودَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الإِسْلاَمِ، وَبَيَّنَ أَنَّ لِتِلْكَ الأَلْفَاظِ -وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَقَّةً مِنْ كَلاَمِ الْعَرَبِ- حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، يَجِبُ نَقْلُهَا إِلَيْهَا.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الأَلْفَاظِ الَّتِي اكْتَسَبَتْ بِمَجِيءِ الإِسْلاَمِ مَعَانِيَ جَدِيدَةً؛ لِمَا أَصَابَهَا مِنَ التَّطَوُّرِ، الَّذِي جَاءَ بِهِ الدِّينُ الْجَدِيدُ، كَلِمَةُ"الْمُسْلِمِ، وَالْمُؤْمِنِ، وَالْكَافِرِ، وَالْمُنَافِقِ [4] ."
وَمِنْ ذَلِكَ -أَيْضًا- مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِهِ (، الَّذِي يَرْوِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ (: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لاَ يُولَدُ لَهُ. قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ
(1) ينظر: الصاحبي، باب الأسباب الإسلامية، ص: 78 - 86، وفقه اللغة/ للدكتور علي عبد الواحد وافي، ص:118، والتطور اللغوي/ للدكتور إبراهيم السامرائي، ص:41، والحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية/ للدكتور محمد ضاري حمادي، ص:125.
(2) ينظر: الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:123.
(3) ينظر: المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية/ للأستاذ محمد الخضر حسين، مقالة في مجلة المجمع القاهري، سنة 1936 م، المجلد الثاني، ص:296.
(4) ينظر: التطور اللغوي/ لإبراهيم السامرائي، ص:47.