وَمِنَ التَّصْرِيفِيِّينَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَصْدَرَ عُمُومًا -ثُلاَثِيًّا وَغَيْرَهُ- سَمَاعِيٌّ، قَالَ الْمُؤَدِّبُ: «وَالْمَصْدَرُ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالسَّمَاعِ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ فِعْلٌ وَاقِعٌ، مِنْ"فَعَلَ يَفْعَلُ"، أَوْ"فَعَلَ يَفْعِلُ"، وَلَمْ تَسْمَعْ لَهُ بِمَصْدَرٍ فَاجْعَلْ مَصْدَرَهُ عَلَى"الفَعْلِ"، أَوْ عَلَى"الفُعُولِ"، فَـ"الفَعْلُ"مَذْهَبُ أَهْلِ نَجْدٍ، وَ"الفُعُولُ"مَذْهَبُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَتَمِيمٍ وَأَشْبَاهِهِ، هَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ» [1] .
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لاَ يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنَ الْمَصَادِرِ فِي هَذَا الْبَحْثِ، لَوْلاَ أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا آخَرَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّّ الْمَصْدَرَ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ قِيَاسِيٌّ غَالِبًا.
هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ التَّصْرِيفِيِّينَ، كَـ"سِيبَوَيْهِ [2] ، وَابْنِ مَالِكٍ [3] ، وَغَيْرِهِمَا، وَفِي هَذَا يَقُولُ سِيبَوَيْهِ -بَعْدَ تِعْدَادِهِ أَبْنِيَةَ الأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَّةِ وَمَصَادِرَهَا، وَمَا خَرَجَ عَنْهَا-:"
« ... وَلَكِنَّ الأَكْثَرَ يُقَاسُ عَلَيْهِ» [4] .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُحْمَلُ مَا حُكِمَ عَلَى خُرُوجِهِ عَنِ الْقِيَاسِ مِنَ الْمَصَادِرِ، وَسَيُدْرَسُ بَعْضُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، حَسْبَ مَا وَرَدَ مِنْهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) .
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْمَصْدَرِ مِنَ الثُّلاَثِيِّ لَيْسَ مُطَّرِدًا دَائِمًا، كَاطِّرَادِ الْمَصْدَرِ مِنْ غَيْرِ الثُّلاَثِيِّ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ النُّحَاةِ وَالتَّصْرِيفِيِّينَ قَدَّمُوا الْمَسْمُوعَ عَلَى الْمَقِيسِ مِنْهُ، بَلَ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الْمَصْدَرَ كُلَّهُ سَمَاعِيًّا.
ثَانِيًا: أَنَّ الرَّاجِحَ فِي قِيَاسِيَّةِ الْمَصْدَرِ الثُّلاَثِيِّ هُوَ الإِثْبَاتُ؛ لِكَثْرَتِهِ فِي بَعْضِ الأَفْعَالِ كَثْرَةً تَكَادُ تَصِلُ إِلَى الاِطِّرَادِ. [5]
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) دقائق التصريف ص 60، 61.
(2) ينظر: الكتاب 4/ 8، وما بعدها.
(3) ينظر: شرح التسهيل 3/ 471.
(4) الكتاب 4/ 8.
(5) تنظر: مسائل التصريف عند السمين الحلبي، ص:129.