مَرْفُوعَ الْوَصْفِ، الْمُبْتَدَأُ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا، كَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ أَصْلًا، وَمَحَلُّ بَسْطِهِ كُتُبُ الْعَرَبِيَّةِ» [1] .
فَلاَ شَاهِدَ فِيهِ -عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ- لِتِلْكَ اللُّغَةِ.
وَمِمَّا رُوِيَ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ مِنَ الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ: الْحَدِيثُ: «حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ» ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «وَرَوَيْنَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: (وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ) [2] مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ» [3] .
وَكَذَا الْحَدِيثُ: «ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ» ، رُوِيَ بِـ: (ذَكَرَتْ) . [4]
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ: «لاَ يَعْرِفْنَ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا» رُوِيَ بِـ (لاَ يَعْرِفُ) [5] .
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ تَوْحِيدُ الْفِعْلِ، وَمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، مَعَ الْفَاعِلِ الْمُفْرَدِ، أَوِ الْمُثَنَّى، أَوِ الْمَجْمُوعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ أَوْ شِبْهَهُ إِذَا كَانَ مُثَنًّى أَوْ مَجْمُوعًا مِثْلَ الْفَاعِلِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الاِسْمَ الظَّاهِرَ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ، وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ أَوِ الْوَصْفِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ مِمَّا يُوقِعُ فِي لَبْسٍ بَيْنَ الْجُمْلَةِ الاِسْمِيَّةِ وَالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، مَعَ وُجُودِ فَرْقٍ فِي دِلاَلَتَيْهِمَا.
ثَانِيًا: أَنَّ جُمْهُورَ النُّحَاةِ يَرَوْنَ أَنَّ اتِّصَالَ الْفِعْلِ بِالأَلِفِ إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ مُثَنًّى، وَبِالْوَاوِ إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ جَمْعًا مُذَكَّرًا، وَبِالنُّونِ إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ جَمْعًا مُؤَنَّثًا، لُغَةٌ قَلِيلَةٌ شَاذَّةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، حُكِيَتْ عَنْ: طَيِّءٍ، وَأَزْدِ شَنُوءَةَ، وَبِلْحَارِثٍ.
وَيَرَى بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّ تِلْكَ اللَّوَاحِقَ بِالأَفْعَالِ وَأَشْبَاهِهَا ضَمَائِرٌ، وَلَيْسَتْ عَلاَمَاتٍ، لَهَا مَحَلٌّ مِنَ الإِعْرَابِ، فَهِيَ إِمَّا أَخْبَارٌ، وَإِمَّا أَبْدَالٌ.
(1) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:21، 22.
(2) الحديث في: سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الحياء، ح (4796) 2/ 667، بلفظ: «فغضب عمران حتى احمرّت عيناه» .
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 198.
وأبو داود هو: سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب السنن، ولد سنة اثنتين ومئتين (202 هـ) ، توفي سنة ثلاث وسبعين ومئتين (273 هـ) . ينظر: مولد العلماء ووفياتهم 2/ 592، 593، وتذكرة الحفاظ 2/ 591 - 593، وسير أعلام النبلاء 13/ 203، 204.
(4) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 5/ 15.
(5) ينظر: فتح الباري 2/ 408، وعمدة القاري 6/ 160.