تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي"بَلَى"أَنَّهُ حَرْفٌ ثُلاَثِيُّ الْوَضْعِ، يُجَابُ بِهِ بَعْدَ النَّفْيِ.
وَيَرَى بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّهُ قَدْ يُجَابُ بِهِ قَلِيلًا بَعْدَ الإِيجَابِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنَى:"نَعَمْ"، مِنْ بَابِ التَّقَارُضِ؛ لأَنَّ"نَعَمْ"قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى:"بَلَى". [1]
وَيَرَى الْبَحْثُ أَنَّ الأَوْلَى عَدَمُ التَّقَارُضِ إِلاَّ بِقَرِينَةٍ وَاضِحَةٍ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: « ... فَلاَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُجَابُ بِـ"نَعَمْ"بَعْدَ الاِسْتِفْهَامِ مِنَ النَّفْيِ، لاَ تُرِيدُ تَصْدِيقَ النَّفْيِ، وَلَكِنْ تَحْقِيقَ الإِيجَابِ الَّذِي فِي نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ؛ لأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِذَا قَالَ لِمَنْ رَآهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ: أَلَيْسَتِ الْخَمْرُ حَرَامًا؟ لَمْ يَسْتَفْهِمْهُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَقْرِيرَهُ أَوْ تَوْبِيخَهُ، وَفُهِمَ مُرَادُهُ فِي ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ نَذْكُرُهَا بَعْدُ -إِنْ شَاءَ اللهُ-، فَلَمَّا فُهِمَ مُرَادُهُ، وَأَنَّهُ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ، جَازَ أَنْ يُجَابَ بِـ"نَعَمْ"، تَصْدِيقًا لِمُعْتَقَدِهِ، مِنْ دُونِ الْتِفَاتٍ إِلَى لَفْظِ النَّفْيِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِنَافٍ فِي الْحَقِيقَةِ، إِلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ الَْعَرَبِ عَلَى ... غَيْرِ هَذَا، يَرَوْنَ مُرَاعَاةَ اللَّفْظِ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ الظَّاهِرُ الْمَسْمُوعُ، وَبِهِ نَطَقَ الْقُرْآنُ، كَقَوْلِهِ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [2] ، وَلَمْ يَقُولُوا: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ الْكَلاَمُ لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ تَقْرِيرٌ عَلَى إِثْبَاتٍ» [3] .
ثَانِيًا: أَنَّ الْجَوَابَ بِـ"بَلَى"بَعْدَ اسْتِفْهَامٍ مُجَرَّدٍ مِنَ النَّفْيِ قَلِيلٌ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَرَدَ فِي أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ أَقْوَالِهِ (، وَالْبَاقِيَةُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) ينظر: أمالي السهيلي، ص:46، والمغني 1/ 192.
(2) سورة الأعراف، من الآية:172.
(3) أمالي السهيلي، ص:45، 46.