وَكَذَا ابْنُ حَجَرٍ الَّذِي يَقُولُ -عَنْ حَدِيثِ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ، لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: بَلَى) : « ... حَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ"بَلْ"بَدَلَ"بَلَى"، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ"بَلَى"بِأَنَّ التَّقْدِيرَ: نَعَمْ هِيَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ، بِإِيجَابِ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَفَضَّلُ اللهُ تَعَالَى عَلَى غَيْرِهِمْ بِالْوُصُولِ إِلَى تِلْكَ الْمَنَازِلِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ"بَلَى"جَوَابَ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِمْ:"لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ"، وَكَأَنَّهُ قَالَ: بَلَى يَبْلُغُهَا رِجَالٌ غَيْرُهُمْ» [1] .
-وَذَهَبَ الدَّمَامِينِيُّ [2] ، وَالْقَسْطَلاَّنِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ فِي كَلاَمِهِمْ، وَلَكِنَّهُ قَلِيلٌ، لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى) فِيهِ أَنَّ (بَلَى) يُجَابُ بِهَا فِي الاِسْتِفْهَامِ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ: (أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيبُ: بَلَى) ، وَلَكِنَّ هَذَا -عِنْدَهُمْ- قَلِيلٌ؛ فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ» [3] .
هَذَا، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ الأُبِّيُّ [4] عَلَى الْمُحْتَجِّينَ بِمَا فِي الْحَدِيثِ: «لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: بَلَى» ، وَرَأَى أَنَّ"بَلَى"فِيهِ فِي مَوْضِعِهَا الأَصْلِيِّ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ:"لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ"إِخْبارٌ، وَلَيْسَ اسْتِفْهَامًا، وَفِي هَذَا يَقُولُ: «لَيْسَتْ (بَلَى) حَرْفَ تَصْدِيقٍ، كَمَا ذَكَرُوا، وَإِنَّمَا هِيَ حَرْفُ جَوَابِ النَّفْيِ، وَمَعْنَاهَا: إِثْبَاتُ مَا نُفِيَ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} ، أَيْ: أَنْتَ رَبُّنَا؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ قَالُوا: نَعَمْ لَكَفَرُوا؛ لأَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ، قَدْ صَدَقُوا النَّفْيَ» [5] .
(1) فتح ا الباري 6/ 378.
وابن التين هو: عبد الواحد بن التين السفاقسي المغربي المحدث المالكي، له شرح الجامع الصحيح للبخاري في مجلدات. ينظر: هدية العارفين 1/ 635.
(2) ينظر: مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:1373.
(3) ينظر: إرشاد الساري 14/ 53.
(4) الأبِّيُّ هو: محمد بن خلفة بن عمر، الوشتاني، المالكي، من أهل تونس، و"الأبي"نسبة إلى"أبة"من قرى تونس، عالم بالحديث، له"إكمال إكمال المعلم لفوائد كتاب مسلم"، جمع فيه بين شرح المازري والقاضي عياض والقرطبي والنووي، مع زيادات من كلام شيخه ابن عرفة، توفي سنة (827 هـ) . ينظر: البدر الطالع، رقم (442) 2/ 169.
(5) إكمال الإكمال 7/ 211.