فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 1015

ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ"بَلَى"قَدْ تَكُونُ جَوَابًا عَنْ مُجَرَّدٍ مِنَ النَّفْيِ [3] ، وَأَيَّدُوا مَذْهَبَهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ، كَاللَّوَاتِي سَبَقَتْ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي الْمَذْهَبِ الرَّاجِحِ عِنْدَ تَوْجِيهِ الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ:

-اخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ مَذْهَبَ الْقَائِلِينَ: إِنَّ"بَلَى"لاَ تَأْتِي إِلاَّ بَعْدَ نَفْيٍ، وَذَلِكَ -عِنْدَ شَرْحِهِ حَدِيثَ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ، لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: بَلَى) - فَقَالَ: «كَذَا وَقَعَ هُنَا هَذَا الْحَرْفُ"بَلَى"، الَّتِي أَصْلُهَا حَرْفُ جَوَابٍ وَتَصْدِيقٍ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَفْهِمُوا، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوا أَنَّ تِلْكَ الْمَنَازِلَ لِلأَنْبِيَاءِ، لاَ لِغَيْرِهِمْ، فَجَوَابُ هَذَا يَقْتَضِي: أَنْ تَكُونَ"بَلْ"الَّتِي لِلإِضْرَابِ عَنِ الأَوَّلِ، وَإِيجَابِ الْمَعْنَى لِلثَّانِي، فَكَأَنَّهُ تُسُومِحَ فِيهَا، فَوُضِعَتْ"بَلَى"مَوْضِعَ"بَلْ"» [4] .

وَكَذَلِكَ السُّيُوطِيُّ -عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ- إِذْ يَقُولُ: «قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: (رِجَالٌ) ، أَيْ: مَنَازِلُ رِجَالٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، وَأُعْرِبَ إِعْرَابَهُ. كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ"بَلَى"مُخْتَصَّةٌ بِإِيجَابِ النَّفْيِ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْمَنَازِلُ بِمَنْفِيَّةٍ، الأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ فَاعِلَ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِنْ جِنْسِ الْمَذْكُورِ، أَيْ: بَلَى يَبْلُغُهَا رِجَالٌ» [5] .

وَاخْتَارَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ مَذْهَبَ الْمُجِيزِينَ، قَائِلًا: «قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى) فِيهِ صِحَّةُ الْجَوَابِ بِـ"بَلَى"، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا نَفْيٌ، وَصِحَّةُ الإِقْرَارِ بِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا، وَشَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْيٌ» [6] .

(1) سورة الأعراف، من الآية: 172.

(2) ينظر: كتاب معاني الحروف/ للرماني، ص:105.

(3) ينظر: المغني 1/ 192، وبناء الجملة في الصحيحين، ص:370.

(4) المفهم 7/ 176. وينظر: عمدة القاري 15/ 159، وإرشاد الساري 7/ 176، وإكمال الإكمال 7/ 211.

والقرطبي هو: أبو العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم، الأنصاري، المالكي، المحدّث، نزيل الإسكندرية، ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمس مئة (578 هـ) ، وسمع بها، وقدم مصر، وحدّث بها، واختصر"الصحيحين"، ثم شرح"مختصر مسلم"، وسماه"المفهم"، وكان يعرف في بلاده بابن المزين، توفي بالإسكندرية، سنة (656 هـ) . ينظر: الوافي في الوفيات 1/ 969.

(5) عقود الزبرجد 2/ 158، 159.

(6) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 6/ 356.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت