الْقِيَاسُ: أَنَّهُ لاَ يَقَعُ الْخَبَرُ ظَرْفَ زَمَانٍ عَنْ جُثَّةٍ. [1]
الْمُخَالَفَةُ: جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ الإِخْبَارُ بِظَرْفِ زَمَانٍ عَنِ الْجُثَّةِ، مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ (:» الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ « [2] .
ذَهَبَ جُمْهُورُ النُّحَاةِ [3] إِلَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَ إِذَا كَانَ حَدَثًا أَوِ اسْمَ مَعْنًى، جَازَ أَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ بِظَرْفَيِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَإِذَا كَانَ جُثَّةً، أَيْ: ذَاتًا مَلْمُوسًا، فَإِنَّهُ لاَ يُخْبَرُ عَنْهُ مِنَ الظُّرُوفِ إِلاَّ بِظَرْفِ مَكَانٍ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الإِخْبَارِ بِظَرْفِ زَمَانٍ عَنِ الْجُثَّةِ.
وَالسَّبَبُ فِي جَوَازِ الإِخْبَارِ عَنِ الْجُثَّةِ بِظَرْفِ مَكَانٍ، وَعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ بِظَرْفِ زَمَانٍ، -عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ- أَنَّ» الْجُثَّةَ قَدْ تَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، فَإِذَا أَخْبَرْتَ بِاسْتِقْرَارِهَا فِي بَعْضِ الأَمْكِنَةِ، يَثْبُتُ اخْتِصَاصُهَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ، مَعَ جَوَازِ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَدَثُ يَقَعُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُكَ:"زَيْدٌ خَلْفَكَ"، فَـ"خَلْفَكَ"خَبَرٌ عَنْ"زَيْدٍ"، وَهُوَ مَكَانٌ مَعْلُومٌ بِجَوَازِ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ"زَيْدٌ"، بِأَنْ يَكُونَ أَمَامَكَ، أَوْ يَمِينَكَ، أَوْ فِي جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِهِمَا، فَإِذَا خَصَصْتَهُ بِـ"خَلْفَكَ"اسْتَفَادَ الْمُخَاطَبُ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ:"الْقِتَالُ أَمَامَكَ"، يَجُوزُ أَنْ يَقْعَ فِي مَكَانٍ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا ظَرْفُ الزَّمَانِ فَإِذَا أَخْبَرْتَ بِهِ عَنِ الْحَدَثِ أَفَادَ؛ لأَنَّ الأَحْدَاثَ لَيْسَتْ أُمُورًا ثَابِتَةً مَوْجُودَةً فِي كُلِّ الأَحْيَانِ، بَلْ هِيَ أَعْرَاضٌ مُنْقَضِيَةٌ، تَحْدُثُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَإِذَا قُلْتَ:"الْقِتَالُ الْيَوْمَ"، أَوِ:"الْخُرُوجُ بَعْدَ غَدٍ"، اسْتَفَادَ الْمُخَاطَبُ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُوَ ذَلِكَ الْوَقْتُ مِنْ ذَلِكَ الْحَدَثِ.
وَأَمَّا الْجُثَثُ فَأَشْخَاصٌ ثَابِتَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي الأَحْيَانِ كُلِّهَا، لاَ اخْتِصَاصَ لِحُلُولِهَا بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ؛ إِذْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي جَمِيعِ الأَزْمِنَةِ، فَإِذَا أَخْبَرْتَ، وَقُلْتَ:"زَيْدٌ الْيَوْمَ"، أَوْ:"عَمْرٌو السَّاعَةَ"، لَمْ تُفِدِ الْمُخَاطَبَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَهُ؛ لأَنَّ التَّقْدِيرَ: زَيْدٌ حَالٌّ، أَوْ مُسْتَقِرٌّ فِي الْيَوْمِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ؛ لأَنَّهُ لاَ يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِكَ مِنَ الْيَوْمِ؛ إِذْ كَانَ الزَّمَانُ لاَ يَتَضَمَّنُ وَاحِدًا دُونَ وَاحِدٍ « [4] .
(1) ينظر: شرح المفصل 1/ 231، وشرح التسهيل 1/ 319، وشرح الكافية 1/ 218، والارتشاف 3/ 1123، وشرح شذور الذهب/ للجوجري 1/ 360، واللمحة 1/ 302.
(2) البخاري، كتاب الجمعة، باب (1) ، ح (876) 2/ 2، ومسلم، كتاب الجمعة، باب (6) ، ح 19 - (855) ... 2/ 585.
(3) ينظر: الارتشاف 3/ 1123.
(4) شرح المفصل 1/ 231.