فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 1015

الْقِيَاسُ عِنْدَ الْقُدَامَى: لَمْ يَكْتَمِلْ نُمُوُّ الْقِيَاسِ عِنْدَ الْقُدَامَى، وَلَمْ يَتِمَّ نُضْجُهُ طَفْرَةً وَاحِدَةً، بَلْ مَرَّ بِثَلاَثِ مَرَاحِلَ، هِيَ [1] :

الْمَرْحَلَةُ الأُولَى: مَرْحَلَةُ عِيسَى بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ [2] ، وَ أَبِي عَمْرِو ابْنِ الْعَلاَءِ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا، مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يُقَدِّمُونَ السَّمَاعَ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِمْ بِكَلاَمِ الْعَرَبِ.

الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَرْحَلَةُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَمَنْ شَايَعَهُمَا مِمَّنْ كَانَ هَمُّهُمْ ضَبْطَ الْقَوَاعِدِ بِالسَّمَاعِ وَالْقِيَاسِ مَعًا.

الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَرْحَلَةُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ جِنِّي، وَمَنْ تَابَعَهُمَا، مِمَّنِ اعْتَمَدُوا عَلَى الْقِيَاسِ اعْتِمَادًا شِبْهَ كُلِّيٍّ؛ مِمَّا جَعَلَ الصِّبْغَةَ الْعَقْلِيَّةَ تَغْلِبُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي قَوْلِ ابْنِ جِنِّي: «مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الْقِيَاسِ أَنْبَلُ وَأَنْبَهُ مِنْ كِتَابِ لُغَةٍ عِنْدَ عُيُونِ النَّاسِ» [3] ، بَلْ ذَهَبَ أُسْتَاذُهُ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، حِينَ قَالَ: «أُخْطِئُ فِي خَمْسِينَ مَسْأَلَةً فِي اللُّغَةِ، وَلاَ أُخْطِئُ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْقِيَاسِ» [4] .

وَلَمْ يَكُنْ لِهِذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي أَمْرِ الْقِيَاسِ أَثَرٌ جَذْرِيٌّ؛ لأَنَّهَا جَاءَتْ فِي زَمَنٍ مُتَأَخِّرٍ، بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتِ الْقَوَاعِدُ.

هَذَا، وَقَدْ كَانَ لِلْقُدَامَى فِي الْقِيَاسِ مَنَاهِجُ مُخْتَلِفَةٌ؛ وَذَلِكَ تَبَعًا لِلأُصُولِ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا مَذَاهِبَهُمْ [5] :

فَأَغْلَبُ الْبَصْرِيِّينَ بَنَوْا أَقْيِسَتَهُمْ عَلَى الْكَثِيرِ الْغَالِبِ الْمَوْثُوقِ بِهِ [6] ؛ قَالَ أَبُو عَمْرٍو ابْنِ الْعَلاَءِ: «أَعْمَلُ عَلَى الأَكْثَرِ وَأُسَمِّي مَا خَالَفَنِي لُغَاتٍ» [7] .

(1) ينظر: من أسرار اللغة/ للدكتور إبراهيم أنيس، ص:11 - 13.

(2) عيسى هو: أبو عمر، الثقفي، الهمداني، الكوفي، أخذ عن عبد الله بن أبي إسحاق، وابن كثير وغيرهما، كان يطعن على العرب، ويخَطِّئ المشاهير منهم، كالنابغة، روى عنه الأصمعي والخليل وغيرهما، وله كتابا"الجامع"و"الإكمال"، توفي سنة (149 هـ) ، وقيل: (156ھ) . ينظر: أخبار النحويين البصريين/ للسيرافي، ص:25، وإنباه الرواة/ للقفطي 2/ 374 - 377، وإشارة التعيين، ص:249، 250.

(3) الخصائص 2/ 88.

(4) السابق نفسه.

(5) هذا ما جعل بعض النحاة كابن مضاء القرطبي ينظرون إلى النحو نظرة الحائر القلق، ويطالبون بتغيرات في جوهره. والحق أن هذا الخلاف طبيعي؛ لاختلاف المناهج والأصول بين النحاة على مر العصور. ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي/ للدكتور فتحي الدجني، ص:49.

(6) ينظر: الشذوذ والضرورة، ص:18، والمذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة/ للدكتور مصطفى عبد العزيز السنجرجي، ص:183.

(7) طبقات النحويين واللغويين، ص:39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت