فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 1015

وَقَالَ فَي (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) [1] : «وَفِي (لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ) شَاهِدٌ عَلَى وُقُوعِ الْمُضَارِعِ الْمُثْبَتِ الْمُسْتَقْبَلِ جَوَابَ قَسَمٍ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ بِالنُّونِ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ، وَهُوَ مِمَّا زَعَمَ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ فِي الشِّعْرِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

لَعَمْرِي لَيُجْزَى الْفَاعِلُونَ بِفِعْلِهِمْ *** فَإِيَّاكَ أَنْ تُعْنَى بِغَيْرِ جَمِيلِ [2]

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ، قَلِيلٌ فِي النَّثْرِ».

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (لَيُمْشَطُ) شَاذٌّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لِحَذْفِ النُّونِ مِنَ الْجَوَابِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَدَيْهِمْ.

اتَّضَحَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ الأَكْثَرَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنْ يَتِّصَلَ الْمُضَارِعُ الْمُثْبَتُ الْمُسْتَقْبَلُ الْوَاقِعُ جَوَابًا لِلْقَسَمِ بِاللاَّمِ وَالنُّونِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَقَدْ تَتَعَاقَبُ اللاَّمُ وَالنُّونُ فِي الشِّعْرِ كَثِيرًا وَفِي النَّثْرِ قَلِيلًا، وَكُلٌّ قِيَاسٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.

وَالأَقْوَى -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ؛ لأَنَّ الْمَقِيسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُصَحَاءِ؛ لِتَبَقَى اللُّغَةُ نَقِيَّةً صَافِيَةً.

ثَانِيًا: أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ» -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- لَيْسَ مِمَّا حُذِفَتْ فِيهِ النُّونُ مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ؛ لأَنَّ الْجَوَابَ هُوَ قَوْلُهُ:"لَقَدْ كَانَ"، وَقَدِ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ؛ لأَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَتَقْدِيرُهُ: وَاللهِ لَقَدْ كَانَ.

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِي جَعْلِ ابْنِ مَالِكٍ [3] هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا حُذِفَتْ فِيهِ النُّونُ مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ، نَظَرٌ.

وَعَلَى فَرْضِ صِحَّةِ اسْتِشْهَادِ ابْنِ مَالِكٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: «لَيُمْشَطُ» حِكَايَةُ حَالٍ قَدْ حَصَلَتْ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَقْبَلِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(1) ص:165.

(2) البيت من الطويل، قال المحقق: «لم أقف عليه» ، وكذلك البحث.

(3) ينظر: شواهد التوضيح، ص:162، والحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت