فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 1015

ثَانِيًا: أَنَّ هُنَاكَ فُرُوقًا بَيْنَ نَظْرَةِ جُمْهُورِ الْقُدَامَى وَنَظْرَةِ الْمُحْدَثِينَ تِجَاهَ الْقِيَاسِ، وَأَهَمُّ تِلْكُ الْفُرُوقِ هِيَ [1] :

1 -أَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقُدَامَى هُوَ الْمَادَّةُ اللُّغَوِيَّةُ الْمَسْمُوعَةُ عَنِ الْعَرَبِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُحْدَثِينَ مَخْزُونُ الْفَرْدِ مِنَ الْمَسَائِلِ اللُّغَوِيَّةِ فِي ذَاكِرَتِهِ.

2 -قِيَاسُ جُمْهُورِ الْقُدَامَى كَانَ عَلَى الأَكْثَرِ -غَالِبًا- فِي حِينَ هُوَ عِنْدَ الْمُحْدَثِينَ عَلَى قَدَرِ سَيْطَرَةِ ذَلِكَ الْمَخْزُونِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى شُعُورِ صَاحِبِهِ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلَ الشَّوَاهِدِ.

3 -أَنَّ عَمَلِيَّةَ الْقِيَاسِ -فِي نَظَرِ الْقُدَامَى- يَقُومُ بِهَا النُّحَاةُ، أَمَّا أَصْحَابُ اللُّغَةِ فَلاَ يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ؛ لِذَا ظَهَرَ فِي دِرَاسَاتِهِمْ"الْقِيَاسُ"وَبِجَانِبِهِ"السَّمَاعُ"، وَهِيَ عِنْدَ الْمُحْدَثِينَ يَقُومُ بِهَا الْفَرْدُ الْمُتَكَلِّمُ.

وَيُعْتَرَضُ عَلَى مَنْهَجِ بَعْضِ الْمُحْدَثِينَ بِمَا يَلِي:

1 -أَنَّ مَنْهَجَهُمْ فِي دِرَاسَةِ اللُّغَةِ وِفْقَ مَنْهَجٍ وَصْفِيٍّ تَارِيخِيٍّ، لاَ تَحْتَ إِطَارٍ زَمَانِيٍّ وَمَكَانِيٍّ مُحَدَّدَيْنِ، يُنَاقِضُ دَعْوَتَهُمْ إِلَى وَضْعِ قَوَاعِدَ مُوَحَّدَةٍ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ الْمُوَحَّدَةُ قَابِلَةً لِلتَّجْدِيدِ مَعَ كُلِّ جَدِيدٍ، وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ.

2 -أَنَّ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَدَيْهِمْ، وَلَمْ يَجِدُوا لَهُ تَوْجِيهًا، حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالْخَطَأِ، وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي نُصُوصٍ صَحِيحَةٍ فَصِيحَةٍ، وَهَذَا فِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّحَامُلِ.

ثَالِثًا: أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ، وَالْقُوَّةَ وَالضَّعْفَ، وَالْقِيَاسَ وَالشُّذُوذَ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- مَسَائِلُ «اجْتِهَادِيَّةٌ، خَضَعَتْ لِتَقْدِيرِ كُلِّ عَالِمٍ وَاجْتِهَادِهِ، وَمَا لَهُ مِنْ حِسٍّ لُغَوِيٍّ، بَعْدَ مُرَاجَعَةِ مَا جَمَعَ، فَمَا يَرَاهُ أَحَدُهُمْ كَثِيرًا، رُبَّمَا لاَ يَرَاهُ غَيْرُهُ، كَذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَوَاهِدَ لُغَوِيَّةٍ» [2] .

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ، وَمُرَادِفَاتُهَا:

(1) ينظر: من أسراراللغة/ للدكتور إبراهيم أنيس، ص:46، وظاهرة قياس الحمل، ص:622.

(2) دراسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر ص:11، وينظر: ص:12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت