وَإِنْ لَمْ يُولَ حَقَّهُ فِي هَذَا الشَّأْنِ. وَفِي تَقْدِيرِي أَنَّهُ لاَ يَقِلُّ عَنِ الْقِرَاءَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ شَأْنًا، بَلْ إِنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ بِلَهَجَاتِ الْعَرَبِ جَمِيعًا، قَدْ يَحْمِلُ أَصْوَاتًا لاَ تَحْمِلُهَا الْقِرَاءَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِمَا كَانَ يَنْطِقُ بِهِ النَّبِيُّ (، النَّاقِلَةُ عَنْهُ بِالنَّصِ وَالأَثَرِ لاَ تَحِيدُ» [1] .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي (صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ) مِنْ قَوْلِهِ (: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» [2] بِالصَّاد فِي"يَبْصُقْ"، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى"يَبْزُقُ"بِالزَّايِ، بَدَلًا مِنَ الصَّادِ [3] ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «يُقَالُ:"بُصَاقٌ، وَبُزَاقٌ"لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَلُغَةٌ قَلِيلَةٌ"بُسَاقٌ"بِالسِّينِ، وَعَدَّهَا جَمَاعَةٌ غَلَطًا» [4] .
وَعَنِ الفَكِّ وَالإِدْغَامِ اللَّذَيْنِ يُعَدَّانِ مِنَ السِّمَاتِ الَّتِي تُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ لَهْجَةٍ وَأُخْرَى، يَأْتِي الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ [5] : « ... حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا جُدُرَ الْمَدِينَةِ هَشِشْنَا إِلَيْهَا، فَرَفَعْنَا مَطِيَّنَا» [6] ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: «كَذَا الرِّوَايَةُ فِي الْحَدِيثِ عَنْدَ السَّجْزِيِّ [7] ، وَكَانَ عِنْدَ أَبِي بَحْرٍ [8] "هَشَّنَا"-بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَتَشْدِيدِ الشِّينِ- عَلَى إِدْغَامِ الْمِثْلَيْنِ، وَلُغَةُ بَعْضِ الْعَرَبِ، فِي نَقْلِ الْحَرَكَةِ، ثُمَّ إِدْغَامُهَا، وَهِيَ لُغَةُ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ» [9] .
الظَّاهِرَةُ التَّصْرِيفِيَّةُ: يُعَدُّ تَعَدُّدُ الْمَصْدَرِ لِلْفِعْلِ الْوَاحِدِ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ اخْتِلاَفِ اللَّهَجَاتِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «بَخِلَ، يَبْخَلُ، بُخْلًا، فَالبُخْلُ كَاللُّؤْمِ، ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْبَخْلُ كَالْفَقْرِ، وَالْبُخْلُ كَالعُقْرِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْبَخَلُ كَالْكَرَمِ» [10] .
(1) الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:68.
(2) البخاري، كتاب الصلاة، باب (33) ، ح (406) 1/ 90 بلفظ: «يَبْصُقُ» ، وفي ح (405) بلفظ: «يَبْزُقُ» 1/ 90، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح 50 - (547) بلفظ: «يَبْصُقُ» ، 1/ 388، وفي ح 52 - (548) بلفظ: «يَبْزُقُ» 1/ 381.
(3) ينظر: المصدران السابقان.
(4) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 5/ 40.
(5) أنس هو: ابن مالك بن النضر، أبو حمزة، الأنصاري الخزرجي، قدم على رسول الله (في المدينة، وهو ابن عشر سنين، وخدم له عشر سنين، وروى عنه (علمًا جمًا، ثم روى عنه خلق كثير، توفي سنة(93 هـ) . ينظر: سير أعلام النبلاء 3/ 395، والإصابة 1/ 112.
(6) مسلم، كتاب النكاح، باب (14) ، ح 88 - (1365) 2/ 1047.
(7) السَّجْزِيُّ هو: أبو سعيد، عمر بن محمد بن محمد بن داود، نزيل نيسابور، ممن روى عنهم: محمد بن يعقوب الأصم، وغيره، وممن روى عنه: البرقاني، والأزجي. توفي بمكة. ينظر: الغنية ص: 36، ولم يذكر تاريخا لوفاته.
(8) أبو بحر هو: سفيان بن العاصي الأسدي، الفقيه الراوية، ولد سنة تسع وثلاثين وأربع مئة (439 هـ) ، ونشأ ببلنسية، وممن أخذ عنهم: أبو العباس الدلائي، وأبو عمر بن عبد البر. توفي بقرطبة سنة عشرين وخمس مئة (520 هـ) . ينظر: كتاب الصلة/ لابن بشكوال 1/ 230.
(9) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9/ 228.
(10) الكتاب 4/ 34.