خَطَايَا، لَقِيتُكَ بِهَا مَغْفِرَةً" [1] ، وَيُرْوَى (مَدَى صَوْتِهِ) .... ، وَيُقَالُ:"هُنَاكَ قِطْعَةٌ مِنَ الأَرْضِ قَدْرَ مَدِّ الْبَصَرِ"، أَيْ: مَدَى الْبَصَرِ» [2] ."
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: « (الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْجَيِّدُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ"مَدَى صَوْتِهِ"، وَهُوَ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَأَمَّا"مَدَّ صَوْتِهِ"، فَلَهُ وَجْهٌ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنٍ:
أَحَدَهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: مَسَافَةَ صَوْتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْمَكَانِ، أَيْ: مُمْتَدَّ صَوْتِهِ. وَفِي الْمَعْنَى عَلَى هَذَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ لَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ تَمْلأُ هَذَا الْمَكَانَ لَغَفَرْتُ لَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ (- إِخْبَارًا عَنِ اللهِ تَعَالَى-:"لَوْ جِئْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا"أَيْ: بِمِلْئِهَا مِنَ الذُّنُوبِ.
وَالثَّانِي: يَغْفِرُ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا فَعَلَهُ فِي زَمَانٍ مُقَدَّرٍ بِهَذِهِ الْمَسَافَةِ» [3] .
رَجَّحَ الشُّرَّاحُ مَذْهَبَ الْجَمْهُورِ الْقَائِلِينَ: إِنَّ"مَدَّ الْبَصَرِ، وَمَدَى الْبَصَرِ"لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ [4] ، وَلَكِنْ مَعَ اعْتِرَافٍ بِأَنَّ"مَدَى الْبَصَرِ"-بِالْمَدِّ- أَشْهَرُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ (مَدِّ بَصَرِي) ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَمَعْنَاهُ: مُنْتَهَى بَصَرِي.
وَأَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ"مَدَّ بَصَرِي"، وَقَالَ: الصَّوَابُ"مَدَى بَصَرِي"، وَلَيْسَ هُوَ بِمُنْكَرٍ، بَلْ هُمَا لُغَتَانِ، الْمَدُّ أَشْهَرُ» [5] .
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ جُمْهُورَ اللُّغَوِيِّينَ يَرَوْنَ أَنَّ"مَدَّ الْبَصَرِ، وَمَدَى الْبَصَرِ"لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ: غَايَتُهُ وَمُنْتَهَاهُ.
وَأَمَّا إِنْكَارُ"مَدِّ الْبَصَرِ"فَقَوْلٌ شَاذٌّ لِفِئَةٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ.
يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ.
وَالْمُلْفِتُ لِلنَّظَرِ -هُنَا- أَنَّ مِنَ الْمُنْكِرِينَ لِهَذَا اللَّفْظِ ابْنَ قُتَيْبَةَ، أَحَدَ الْمُعْتَنِينَ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَغَرِيبِهِ، فَلاَ يُدْرَى: كَيْفَ فَاتَهُ مَا وَرَدَ فِي ذَيْنِكَ الْحَدِيثَيْنِ؟!!، وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَذَرَ لَهُ بِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقْصِدُ الْقِلَّةَ لاَ عَدَمَ الثُّبُوتِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) الحديث في: مسند الإمام أحمد، ح (21544) 5/ 172، والمستدرك على الصحيحين، ح (7605) 4/ 269، وفيه: «هذا حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه» . وقراب الأرض: ما قَارَبَ قَدْرَهَا، يقال:"قِرَابُ الشيء، وقُرَابُهُ، وقُرَابَتُهُ". ينظر: القاموس (ق ر ب) .
(2) اللسان (م د د) 3/ 399.
(3) ينظر: شرح السيوطي لسنن النسائي 2/ 340.
(4) ينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 1/ 315.
(5) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 8/ 405.